قال القرطبي: (فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد، والنبوة لاتدرأ الموت، والأديان لاتزول بموت الأنبياء) [1] ، وكلامه رحمه الله نفيس جدًا، فالذين ظنوا من قبل أن الإسلام قد انتهى بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين يظنون أن ظهور الإسلام ودعوته متوقف على شخص بعينه، فهؤلاء وأولئك قد أخطأوا ولم يقدروا هذا الدين قدره ولم يوفوه حقه، لأن ظهور هذا الدين وهيمنته على كل الأديان، هو قدر الله عزوجل وسنته، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة التوبة، آية:33) .
فسبب ظهور هذا الدين أنه حق وأنه هدى [2] .
في غزوة أحد نزل التشريع الإلهي بالعتاب على ماحدث منهم أثناء أحداث غزوة أحد وعند موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء التطبيق حيث (لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على فرس من مسكنه بالسُّنْحِ، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها فتيمم [3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مغَشّى بثوب حَبرة [4] ، فكشف عن وجهه - صلى الله عليه وسلم -، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لايجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها) [5] .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس ياعمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر - رضي الله عنه - فقال أبو بكر
(1) انظر: تفسيرالقرطبي (4/ 222) .
(2) انظر: مرض النبي ووفاته وأثر ذلك على الأمة، خالد أبو صالح، ص 20 نقلًا عن غزوة أحد دراسة دعوية، ص 191.
(3) فتيمّم: قصد.
(4) الحبرة: نوع من برود اليمن مخططة غالية الثمن.
(5) البخاري، كتاب المغازي، باب مرض رسول الله ووفاته رقم 2252.