بها المدينة، وتجرأت عَضَل والقارة على خداع المسلمين، وقام عامر بن الطفيل يقتل القرّاء الدعاة الآمنين، وحاولت يهود بني النضير أن تغتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتصدى لهذه المحاولات الماكرة الحبيب المصطفى بشجاعة فائقة، وسياسة ماهرة، وتخطيط سليم، وتنفيذ دقيق.
أولًا: طمع بني أسد في الدولة الإسلامية:
بلغت النبي - صلى الله عليه وسلم - بواسطة عيونه المنبثة في الجزيرة العربية أخبار الاستعدادات التي قام بها بنو أسد بن خزيمة بقيادة طليحة الأسدي من أجل غزو المدينة طمعًا في خيراتها، وانتصارًا لشركهم، ومظاهرة لقريش في عدوانها على المسلمين، فسارع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تشكيل سرية في مئة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار وأمرّ عليهم أبا سلمة بن عبدالأسد [1] ، المخزومي، وعقد له لواء، وقال له: سر حتى تنزل أرض بني أسد، فأغر عليهم قبل أن تتلاقى عليك جموعهم [2] ، فسار إليهم أبو سلمة في المحرم [3] ، فأغار على أنعامهم، ففروا من وجهه فأخذها، ولم يلق عناء في تشتيت أعداء الإسلام وعاد إلى المدينة مظفرًا، وأبو سلمة يعد من السابقين إلى الإيمان ومن خيرة الرعيل الأول، وقد عاد من هذه الغزوة متعبًا، إذ نغر جرحه الذي أصابه في (أحد) فلم يلبث حتى مات [4] ونلحظ في هذه السرية عدة أمور منها: الدقة في التخطيط الحربي، عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث فرق أعداءه قبل أن يجتمعوا، فذهلوا لمجئ سرية أبي سلمة وهم يظنون أن المسلمين قد أضعفتهم وقعة أحد وأذهلتهم عن أنفسهم، فأصيب المشركون بالرعب
(1) انظر: نظرة النعيم (1/ 313) .
(2) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص 162، 163.
(3) انظر: زاد المعاد (3/ 243) .
(4) فقه السيرة للغزالي، ص 274.