والصحيح: أن الولي يشرع له أن يقضي عنه الصيام الواجب بأصل الشرع والصيام الواجب بالنذر .. لكن إن كان خلف تركة يجب عليه أن يطعم فإن لم يطعم فإنه يصوم، وسبق متى يكون الإطعام ومتى لا يكون في الصور الثلاث السابقة في الدرس السابق.
وكذلك كما قال الحنابلة: من مات وعليه نذر صلاة أو اعتكاف أو قراءة ولم يتمكن منها يشرع لوليه أن يقضيها عنه.
ودليل الحنابلة: أنهم خصوا بصوم النذر وقالوا: أن الواجب بأصل الشرع لا يصام عن الميت وإنما يطعم استدلوا بما في الصحيحين أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: (( نعم ) ).
ومن قال لا يصام عن الميت سواءً كان واجبًا بأصل الشرع أو بالنذر (الجمهور) فاستدلوا بما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لا يصلي أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد) صحيح.
وورد عن عائشة رضي الله عنها ولكن الأثر ضعيف.
وأما الواجب بالنذر كما ذكر الحنابلة يشرع لوليه أن يقضيه عنه ولا يجب إلا إن خلف تركة لكن الصلاة والقراءة والاعتكاف الواجب بالنذر نقول على سبيل الاستحباب.
الحج إن خلف تركة يجب على وليه أن يخرج من تركته فإن لم يفعل يحج بنفسه.
من هو الولي في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) )؟
قيل: أنه الوارث وهو المشهور من المذهب.
وقيل: أنه سائر العصبة.
وقيل: كل قريب.
والأقرب: أن المراد بالولي هو سائر العصبة.
والعلماء يتوسعون في ذلك ويقولون: لو صام عنه أجنبي ليس من أولياءه فإن ذمته تبرأ سواءً أذن الولي أم لم يأذن، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) )هذا محمول على الغالب.
وبعض العلماء قالوا: لا يجزئ إلا إذا صام عنه الولي اقتصارًا على مورد النص.
لكن الصحيح: إن صام عنه أحد فإن ذلك يجزئ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) )مبني على الغالب.
فصل
صوم التطوع يوم ويوم
لما انتهى المؤلف من أحكام الصيام ذكر صوم التطوع وهو يجبر صوم الفرض، وفي مسند الإمام أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الصلاة، فإن صلحت وإلا قال الله انظروا هل لعبدي من تطوع ) )
فالتطوعات لها حكم ويترتب عليها مصالح من ذلك: أنها تجبر ما حصل من نقص في الفرائض، فالفرائض يعتريها شيء من الخلل واللهو والنقص بحسب طبيعة الإنسان.
ثانيًا: ما يترتب عليها من الفضل العظيم، ففي الصحيحين (( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) )فأضاف الصوم له إضافة تشريف وتعظيم مما يدل على فضله.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته ... ) )الحديث.
وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في صيام التطوع ينقسم أربعة أقسام:
القسم الأول: صيام رغب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لم يحفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله أو داوم عليه، ومن أمثلته / صوم يوم وإفطار يوم، رغب فيه وذكر أن أفضل الصيام صيام نبي الله داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، لكن لم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل هذا.
ومن ذلك صيام يوم الاثنين، ففي صحيح مسلم سئل - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم الاثنين قال: (( ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه أو أنزل علي فيه ) )ولم يحفظ أنه كان يصوم يوم الاثنين.
ومن ذلك شهر الله المحرم، ثبت في مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) )ولم يحفظ عنه أنه كان يصومه، بل المحفوظ ما صامه ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان) .
فهذه أنواع من الصيام رغب فيها - صلى الله عليه وسلم - وشرعها لأمته، وذكر فيها هذا الأجر العظيم، ولم يحفظ أنه داوم عليها لما يتبين في القسم الرابع.
القسم الثاني: صيام حافظ عليه - صلى الله عليه وسلم -، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، كما في حديث عائشة: (ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبال صامها من أول الشهر أو في وسطه أو في آخره) .
وأوصى بها أبا هريرة وأبا الدرداء وأبا ذر وقتادة بن ملحان وعبدالله بن عمرو، وفي حديث عبدالله بن عمرو: (أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر) ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.
القسم الثالث: صيام أكثر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو شهر شعبان، فكان - صلى الله عليه وسلم - يكثر من صيام شعبان ويدل لهذا حديث عائشة في مسلم وغيره: (وما رأيته أكثر منه صيامًا في شعبان) .