الصفحة 417 من 1418

المشهور من مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة: لا بأس أن الإنسان يتطوع قبل أن يقضي، واستدلوا أن الله عز وجل قال: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة: 184.

وهذا مطلق، فالقضاء مطلق سواءً قضى في شوال، ذي القعدة، ذي الحجة ... مطلق، ومادام أنه مطلق يدل على أنه لا بأس أن الإنسان يتطوع قبل القضاء؛ لأن القضاء لا يجب على الفور.

والدليل الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يكون علي الصيام من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان)

لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي أخرت إلى شعبان ولا يفهم أن عائشة رضي الله عنها كانت لا تتطوع، بل يظهر أنها كانت تتطوع ولا يفوتها النفل المقيد وما رتب عليه من الفضل.

المشهور من المذهب: لا يصح التطوع قبل القضاء بل لابد أن يقضي أولًا ثم يتطوع، ودليلهم على هذا ما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: (أحص العدة ثم تطوع ما شئت) .

وكذلك استدلوا على ذلك: أن التطوع سنة والقضاء واجب، والسنة لا تقدم على الواجب.

الشافعي: إن كان فطره لعذر لا بأس أن يتطوع قبل القضاء، ولغير عذر لا يجوز أن يتطوع قبل القضاء.

والأقرب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الحنفية والمالكية وأنه يجوز للإنسان أن يتطوع قبل القضاء، ويؤيد ذلك/ ما ذكرنا أن القضاء لا يجب على الفور بل على التراخي، وأن الشارع وسع فيه، فإذا كان كذلك فالإنسان له أن يتطوع، أو له أن يترك التطوع قبل القضاء، ويؤيده أن الشارع كثير ما يرغب في التطوع ويسهل فيه وذلك بإسقاط بعض الأركان والشروط من أجل تكثير التطوع، ولهذا يجوز أن يتطوع وهو على دابته فيسقط بذلك إن كان مسافرًا استقبال القلبة والقيام والسجود والركوع يومئ بهما .. إلخ.

كل ذلك ترغيب في التطوع، فالتطوع قبل القضاء اللذي يظهر والله أعلم أنه جائز.

ونفهم من هذا أنه على مذهب الحنفية والمالكية يجوز أن يصوم ستًا من شوال قبل القضاء، وعلى مذهب الحنابلة لا يجوز إلا بعد القضاء، وعند الشافعية التفصيل كما سبق.

والأقرب في صيام ستًا من شوال: أنه لا يصح أن يصومها حتى يقضي، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال ) )والذي عليه شيء من القضاء لم يصم رمضان حتى الآن؛ لأن قوله (( من صام رمضان ) )يشمل الأداء والقضاء.

فالخلاصة في هذه المسألة / أن التطوع بالصيام قبل القضاء جائز إلا في مسألة ستة من شوال فإن الإنسان يبدأ بالقضاء ثم التطوع.

المسألة الثالثة: يقول المؤلف رحمه الله تعالى:

"والأفضل عقب العيد متوالية"

الأفضل أن يبادر بصيام ست من شوال عقب العيد، وأن تكون متوالية؛ لأن هذا يوافق ظاهر الحديث، فظاهر الحديث الإنسان يتابعها، قال: (( ثم اتبعه ) )يعني أن الإنسان يتابع هذه الست بعد رمضان.

وأيضًا تكون متتابعة ولا يفرق بينها لأن هذا ظاهر الحديث.

وثانيًا: أنه أسرع في الخير، والله عز وجل أثنى على المسرعين والمسابقين بالخيرات {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي ? ... ? ? ?} الأنبياء: 90.

وقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148.

وعلى هذا يؤخذ من كلام المؤلف: لو أخرها بعد العيد أو فعلها متفرقة جائز ولا بأس به ويحصل له الأجر، قوله: (( فكأنما صام الدهر ) )كما في سنن النسائي، الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة شهور، وستة أيام لها ستين يومًا شهرين، فيكون صام الدهر السنة، وإذا صام السنة صام الدهر.

"وشهر الله المحرم"

هذا من التطوع المقيد صيام شهر الله المحرم، ودليل ذلك في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) )، وظاهر الحديث لا يحصل الأجر ولا السنية إلا إذا صامه كاملًا ولا يتحقق أن الإنسان حقق هذه السنة إلا إذا صام الشهر كاملًا.

وذهب بعض العلماء: يصومه لكنه لا يكمله، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (وما رأيته استكمل صيام شهر قط غلا رمضان) فقالوا: لا يكمل إلا رمضان، وهذا ذهب إليه ابن قدامة في الكافي.

والصواب: ظاهر ما ذكره العلماء وأن الإنسان يصومه كاملًا وهو ظاهر الحديث، وأما كونه - صلى الله عليه وسلم - ما استكمل شهرًا غير رمضان، نقول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تتعلق به أعمال وأشغال لا تمكنه من الاستكمال.

"وآكده عاشوراء ثم تاسوعاء"

صيام اليوم العاشر من شهر الله المحرم سنة وهو من الصيام المقيد، وصيام اليوم العاشر تحته مسائل:

المسألة الأولى: ما هو اليوم العاشر؟ الجمهور: هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقالوا: يدل لهذا الاشتقاق والتسمية، وهما تساعدان على أن اليوم العاشر هو اليوم الذي يكون بعد اليوم التاسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت