كذلك أيام التشريق يحرم صومها وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وسميت بأيام التشريق لأن الناس كانوا يشرقون اللحم أي يقطعونه ويبرزونه للشمس حتى ييبس ولا يتسارع إليه الفساد.
ودليلهم تحريم صومها حديث نبيشة الهذلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) ).
والقول بتحريم صيامها ما عليه جمهور أهل العلم.
"إلا عن دم متعة أو قران"
المتمتع إذا لم يجد الهدي فلا بأس أن يصوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام التشريق؛ لأن المتمتع والقارن إذا لم يجدا الهدي فإنه يجب عليهما الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.
صيام الثلاثة في الحج يبدأ وقتها من حين الإحرام بالعمرة إلى آخر أيام التشريق، فإذا ما صام قبل عرفات فيصوم أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لأن أيام الحج تنتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
ويدل لهذا حديث ابن عمر وعائشة قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي) .
أبو حنيفة: أن المتمتع لا يصوم في أيام التشريق إذا لم يجد الهدي لحديث نبشة.
لكن حديث نبشة خصه حديث عائشة وابن عمر في الترخيص للمتمتع الذي لا يجد الهدي بصيامها.
"ومن دخل في فرض حرم قطعه"
قول المؤلف: في فرض، يشمل ما إذا كان أداءً أو قضاءً، أداءً كصيام رمضان، صلاة الفريضة.
قضاءً كقضاء رمضان، وقضاء الفريضة، فإنه إذا دخل في هذا الواجب سواءً كان أداءً أو قضاءً فإنه يحرم عليه أن يقطعه.
وذكر ابن قدامة: أن هذا بغير خلاف، وعلى هذا / إذا شرع في قضاء رمضان لا يجوز له قطعه، وهذا خلاف ما يظنه بعض الناس أن هذا جائز ولا بأس به.
ويدل لذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة: 187، والأمر يقتضي الوجوب، وقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} البقرة: 196.
"ولا يلزم إتمام نفل"
يؤخذ من كلام المؤلف أنه لا بأس أن يقطعه، لكن قال العلماء: يكره أن يقطعه بلا عذر، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد: 33.
والدليل على جواز قطع النفل حديث أبي جحيفة في صحيح البخاري أن سلمان - رضي الله عنه - لما زار أبي الدرداء وشاهد من صيامه وقيامه فأصبح أبو الدرداء صائمًا، فقال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل أبو الدرداء، ولما ذكر ذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: صدق سلمان.
ويدل أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت رضي الله عنها: أهدي لنا حيس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أرينيه فلقد أصبحت صائمًا، فأكل.
وهذا يدل على أنه لا بأس أن يقطع صوم النفل.
وسبق قول العلماء أنه يكره قطعه لغير عذر ومصلحة، لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، وإذا قطعه يستحب له أن يقضيه، ويدل لذلك ما ثبت عند د بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أخوكم دعاكم وتكلف لكم كل وصم يومًا مكانه ) )فقال - صلى الله عليه وسلم: (( صم يومًا مكانه ) )فهذا يدل على أن الإنسان إذا قطع النفل فإنه يستحب له أن يقضيه.
وأيضًا يدل لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة وأم سلمة رضي الله عنهما لما أفطرتا قال: (( صوما يومًا مكانه ) ).
لكن هل يجب ذلك أو لا يجب؟
فيه خلاف، قضاء النفل عند الجمهور ليس واجبًا.
"ولا قضاء فاسده"
إذا فسد هذا التطوع لا يجب قضاؤه الجمهور خلافًا لأبي حنيفة يري أنه يجب قضاء فاسده.
والصواب: لا يجب قضاء فاسده؛ لأننا لو قلنا بوجوب قضاء الفاسد للزم إشغال الذمة، والأصل / براءة الذمة، فما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء يحمل على الاستحباب خلافًا لما ذهب إليه أبي حنيفة رحمه الله أنه يجب قضاء فاسده.
مالك يفصل إن كان لعذر يقضى، وإن كان لغير عذر لا يقضى.
والصواب: كما سبق الجمهور لا يجب قضاء فاسده.
"غير حج وعمرة"
فالحج والعمرة يجب قضاء فاسدهما إذا كان نفلًا، أما إذا كان فرضًا إجماعًا يجب قضاء فاسد الحج والعمرة؛ لأن الذمة لم تبرأ من هذا الواجب.
لكن إذا كان نفلًا وأفسده فهل يجب عليه أن يقضي أو لا يجب عليه أن يقضي؟
تقدم في كتاب الحج وذكرنا خلاف أهل العلم وأن الجمهور يجب أن يقضي لأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم خلافًا للظاهرية فهم يخالفون في المضي فيه، أما قضاء الفاسد.
وتقدم ما هو الحج الفاسد والعمرة الفاسدة.
"وترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان"
ليلة القدر تحتها مسائل:
المسألة الأولى: سبب تسميتها بهذا الاسم.
قال بعض العلماء: سميت بهذا الاسم لأن الطاعات فيها لها قدر عظيم، وقيل: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، وقيل: لعظم قدرها عند الله عز وجل.