ولا يمنع أن تكون لكل ما سبق من العلل، ويدل لهذا أن الله عز وجل أنزل فيها سورة كاملة وذكر في هذه السورة فضلها وعظيم أجرها وعظيم منزلتها، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).
المسألة الثانية: زمنها.
الجمهور: أنها في رمضان.
أبو حنيفة: في جميع السنة.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.
ويدل لذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) ).
وأبو حنيفة يقول: في جميع السنة لورود ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -.
والصواب: ما ذهب إليه الجمهور للأحاديث الواردة في ذلك.
المسألة الثالثة: وهل هي أفضل أم ليلة الإسراء؟
خلاف، ليلة الإسراء فرضت فيها الصلاة وكلم الله عز وجل نبيه بلا واسطة، أو ليلة القدر؟
خلاف، قال شيخ الإسلام رحمه الله: ليلة القدر أفضل في حق الأمة، وليلة الإسراء أفضل في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -.
المسألة الرابعة: قال المؤلف رحمه الله تعالى:
"وأوتاره آكد"
بينا زمنها على سبيل الإطلاق، ثم ذكر المؤلف ما هو زمنها على سبيل التقييد فقال: وأوتاره آكد، ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( تحروا ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر ) ).
"وأبلغها ليلة سبع وعشرين"
ويدل لهذا أن أبي - رضي الله عنه - كان يحلف أنها ليلة سبع وعشرين.
والجمع بين هذا أن يقال في أوتار العشر لكن يكثر كونها في ليلة سبع وعشرين، فتارة واحد وعشرين، وتارة ثلاث وعشرين .. إلخ، ويكثر أنها تكون ليلة سبع وعشرين.
"ويكون من دعائه فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"
ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله إن وافقتها فيما أدعوا، قال: (( قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) )ح. ت. هـ.
علامات ليلة القدر:
ورد لها علامات كما في حديث أبي بن كعب وواثلة وابن عباس رضي الله عنهم.
أولًا: أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها.
ثانيًا: أنها ليلة طلقة بلجة ليست حارة ولا باردة.
ثالثًا: أنه لا يرمى في ليلتها بنجم.
ففضل قيامها كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ).
والقيام ليس خاصًا بالصلاة، وإنما يشمل القيام بالصلاة والذكر من الدعاء والقراءة والتسبيح، حتى أن العلماء رحمهم الله ذكروا أن الكل يدرك ليلة القدر فالحائض تدركها بالذكر والدعاء، والمسافر يدركها إذا لم يتمكن من الصلاة بالذكر والدعاء والقراءة فرحمة الله واسعة.
باب الاعتكاف
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء، ومنه قوله تعالى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} الأعراف: 138، أي يلازمون هذه الأصنام.
اصطلاحًا: فهو التعبد لله عز وجل بلزوم المسجد على وجه مخصوص.
والاعتكاف سنة، ودل على ذلك القرآن والسنة وإجماع المسلمين.
القرآن قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187.
السنة: فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومداومته على ذلك حتى توفى، وكذلك فعل الصحابة رضي الله عنهم.
والإجماع: فالمسلمون مجمعون على الاعتكاف، والصحابة رضي الله عنهم اعتكفوا كما في حديث أبي سعيد في مسلم وغيره مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتكف أزواجه - صلى الله عليه وسلم - من بعده.
وقد ورد عن الإمام مالك رحمه الله كراهة الاعتكاف وأنه لشدته كالوصال، والوصال هو: قرن اليومين فأكثر بالصيام، هذا الوصال وحكمه / خلاف بين العلماء هل هو جائز أو غير جائز.
والصواب: ليس جائزًا إلا من أراد أن يواصل للسحر، ويدل لهذا حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ) ).
فالإمام مالك ألحق الاعتكاف بالوصال بجامع الشدة في كل منهما، وهذا القياس، نظر في مقابلة الأثر فلا يصار إليه.
واستدل أن الناس تركوا الاعتكاف، وهذا غير مسلم فقد كان الصحابة يعتكفون، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكفن من بعده، وكون الناس هجروه في زمن لا يقتضي عدم سنيته.
قال المؤلف رحمه الله:
"الاعتكاف مسنون كل وقت"
يؤخذ من كلامه رحمه الله أنه يشرع في رمضان وغير رمضان، وبعض العلماء: خصه برمضان، وقالوا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتكف إلا في رمضان.
لكن الجمهور: لا يخص في رمضان بل في رمضان وفي غيره، ويدل لذلك أمران:
الأمر الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ترك الاعتكاف في بعض السنوات قضاه في شوال، وهذا يدل على أن غير رمضان محل للاعتكاف.