الصفحة 422 من 1418

الأمر الثاني: أن الحكمة من الاعتكاف جمع القلب على الله، والانقطاع عن الخلق إلى الخالق، والتخفف من فضول الخلطة والطعام والشراب ونحو ذلك، وهذه الحكمة كما أنها في رمضان تكون في غير رمضان.

فيظهر والله أعلم / أن السنة كلها محل للاعتكاف لما سبق من أدلة.

"وفي رمضان آكد خصوصًا عشره الأخير"

هو سنة في رمضان وغير رمضان، ويتأكد في رمضان، ويشتد تأكده في العشر الأواخر من رمضان.

وكما سبق بعض العلماء يرى أنه ليس مشروعًا إلا في العشر الأواخر من رمضان، وفي غير العشر الأواخر هذا من قبيل المباح والجائز ليس مشروعًا.

"ويصح بلا صوم"

شروط صحة الاعتكاف:

الشرط الأول: الصيام، فهل يشترط لصحة الاعتكاف الصيام أو يصح بلا صوم؟

المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي: يصح بلا صوم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: ويصح بلا صوم.

مالك وأبو حنيفة: لا يصح إلا بصوم.

أدلتهم ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة وغيره (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ترك الاعتكاف قضاه في العشر الأول من شوال، ويدخل في العشر الأول من شوال يوم العيد، ويوم العيد يحرم صومه.

فيؤخذ من الحديث / أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف يوم العيد، ويوم العيد يحرم صومه، فدل على أنه لا يشترط الصوم.

واستدلوا بحديث عمر - رضي الله عنه - في الصحيحين أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أوف بنذرك ) )، فقال: ليلة، والليل ليس محل للصوم.

وورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وإن كان ضعيفًا (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه) ضعيف، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنهما.

أدلة أبو حنيفة ومالك يشترط لصحة الاعتكاف الصوم استدلوا: أن الله عز وجل ذكر آيات الصيام ثم ذكر الاعتكاف، فهذا يدل على أن الصيام معتبر في الاعتكاف.

وهذا الاستدلال فيه نظر / وجمهور الأصوليين يقولون: أن دلالة الاقتران ليست حجة، كون الشارع يقرن بين اثنين لا يلزم من ذلك أن ننقل حكم أحدهما إلى الآخر.

فمثلًا قوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين (( خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، ونتف الإبط ... ) )الحديث. لا يلزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الختان والاستحداد، فنقول أن هذا مستحب كما هذا مستحب، وهذا واجب كما أن هذا واجب.

واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها كما في أبي داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ولا اعتكاف إلا بصوم ) )لا يثبت مرفوعًا.

الصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وأن الاعتكاف لا يشترط فيه الصيام.

"لا بلا نية"

هذا هو الشرط الثاني: النية،، لأنه عبادة، والعبادة يشترط لصحتها النية، لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عمر - رضي الله عنه - (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ).

الشرط الثالث: الإسلام، لأن الاعتكاف كما سلف عبادة، والعبادة لا تصح من الكافر لأنه فاقد للأصل وهو التوحيد، والله عز وجل يقول: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الأنعام: 88.

الشرط الرابع: العقل.

الشرط الخامس: التمييز، لما تقدم أنه يشترط أن يكون الاعتكاف بنية والمجنون وغير المميز لا قصد لهما صحيح.

"ويلزم بنذر"

ذكر المؤلف أن الاعتكاف سنة، لكن متى يجب؟

قال: يجب بالنذر، ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) )فإذا نذر أن يعتكف يومًا او يومين فإنه يجب عليه أن يوف بنذره.

"ولا يصح إلا في مسجد"

هذا الشرط السادس: يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد ويدل لهذا قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187.

وأيضًا ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في المسجد) .

لكن هل يشترط مسجد بعينه أو لا يشترط؟

خلاف، الرأي الأول: ذهب إليه المؤلف أنه يشترط أن يكون المسجد ممن تقام فيه الجماعة، إذا كان من أهل الجماعة، وهو مذهب الإمام أحمد وأبو حنيفة، ولا يصح أن يعتكف في أي مسجد، ويدل لهذا الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة؛ لأنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة أدى ذلك إلى واحد من محذورين:

الأول: أن يترك صلاة الجماعة.

الثاني: أن يتكرر خروجه لابد أن يخرج.

ويدل أيضًا لهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في مسجده، ومسجده تقام فيه الجماعة.

الرأي الثاني: مالك والشافعي يصح في كل مسجد، لكن قالوا إن تخلل اعتكافه جمعة فلابد أن يكون في مسجد جامع لوجوب صلاة الجمعة، والدليل على أنه يصح في كل مسجد قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت