وأيضًا أن صلاة الجمعة واجبة، وأيضًا في حديث عائشة رضي الله عنها في أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ) )ولا يثبت مرفوعًا، مع أنه ورد (( ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ) ).
الرأي الثالث: يشترط أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة (المسجد الحرام - المسجد النبوي - المسجد الأقصى) وهذا ما ذهب إليه حذيفة - رضي الله عنه -، واختاره من المتأخرين الشيخ الألباني رحمه الله، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في هذه المساجد الثلاثة.
واستدلوا بحديث حذيفة مرفوعًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) ).
والصحيح في هذه المسألة: ما ذهب إليه أحمد وأبو حنيفة، وأنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، لكن يشترط إذا كان من أهل الجماعة أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة.
وذكر شيخ الإسلام: أن الوارد عن الصحابة صحة الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة.
وأما حديث حذيفة (( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) )فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أنه لا يثبت مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بل موقوفًا على حذيفة - رضي الله عنه -، وحذيفة خالفه ابن مسعود.
الثاني: لو ثبت يحمل على أنه لا اعتكاف كاملًا إلا في هذه المساجد الثلاثة.
وأما بالنسبة للجمعة، فالخروج للجمعة جائز ولا بأس به، وسيأتي ما يتعلق بخروج المعتكف، وأن خروجه ينقسم إلى أقسام.
هل المرأة كالرجل أو يصح أن تعتكف في مسجد بيتها؟
خلاف، الجمهور: أن المرأة كالرجل لابد أن تعتكف في المسجد، ولا يصح أن تعتكف في مسجد بيتها، لكن المرأة ليست من أهل الجماعة، فإذا كان هذا المسجد مهجورًا لا تصلى فيه الجماعة تركه الناس، فيصح أن تعتكف فيه خلاف الرجل الذي لابد أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة.
الرأي الثاني: أبو حنيفة رحمه الله أن المرأة لها أن تعتكف في مسجد بيتها إذا كان في بيتها مصلى لها أن تعتكف فيه، وفيه نظر.
والصواب: ما ذهب إليه الجمهور، ويدل لذلك فعل زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده وبعد عهده، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن في اعتكاف بعض زوجاته معه ضربن خبائهن في المسجد، ولو كان الاعتكاف جائز في البيت لاعتكفت في بيتها، وزوجاته - صلى الله عليه وسلم - اعتكفن بعده في المسجد.
"وأفضل المساجد الحرام فمسجد المدينة فالأقصى"
أفضل المساجد للاعتكاف المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم الأقصى ثم الجامع ثم سائر المساجد، وكلما كان المسجد أكثر تحقيقًا لحكمة الاعتكاف فهو أفضل للقاعدة
{أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى من المراعاة من الفضل المتعلق بزمانها ومكانها}
ويدل لهذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) ).
وصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وفي المسجد الحرام تعدل مئة ألف فيما سواه.
"فإن عين أحدها لم يجز ما دونه وعكسه بعكسه"
إذا عين المسجد الحرام فلا يجزئه في غيره، وإذا عين المسجد النبوي فإنه يجزئه المسجد الحرام، وهكذا فالمساجد الثلاثة هي التي تتعين، وما عداها فلا يتعين؛ لأنه لو قلنا أنه يتعين غير المساجد الثلاثة لزم من ذلك شد الرحال إلى ذات البقعة، فلا يشد الرحال إلى بقعة من البقع إلا لهذه البقع الثلاث، فإذا عين الأقصى له أن يعتكف في الأقصى أو في النبوي أو في الحرام، لحديث جابر - رضي الله عنه - أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في المسجد الأقصى، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( صل ها هنا، فلما كان في الرابعة، قال: شأنك إذًا ) )فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نقله من المسجد الأقصى المفضول إلى المسجد الحرام الفاضل.
"وإن عين مسجدًا غير الثلاثة لم يتعين"
فمثلًا لو قال: لله علي أن اعتكف في جامع هذه البلدة أو البلدة الفلانية غير المساجد الثلاثة (المسجد الحرام - المسجد النبوي - المسجد الأقصى) يقولون: لا يتعين.
والعلة / أنه يلزم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، والرحال لا تشد إلا لهذه المساجد الثلاثة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.
الرأي الثاني: التفصيل في المسألة / إذا تميز هذا المسجد بميزة شرعية فإنه يتعين إذا لم يترتب شد رحل، أبو الخطاب واختاره شيخ الإسلام وهو الصواب.
فمثلًا لو قال: لله علي أن اعتكف في المسجد الجامع.
المشهور من المذهب: أن له أن يعتكف في أي مسجد ولا يتعين مسجد بعينه.
وعلى الرأي الثاني: مادام أنه يتميز بميزة شرعية ولا يلزم من ذلك شد الرحل فإنه يتعين، ولا شك أن الجامع أفضل من غير الجامع؛ لأنه إذا اعتكف في الجامع ترتب على ذلك ألاّ يخرج لصلاة الجمعة.
"ومن نذر زمنًا معينًا دخل معتكفه قبله بيسير وخرج بعد آخره"
وهذا ينقسم إلى أقسام: