بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ..
فنكمل ما كنا قد بدأنا به بالأمس حول منهج الإمام مسلم عليه رحمة الله في كتابه"الصحيح".
وكنَّا قد توقفنا عند الكلام عن انتقادات أبي زرعة على الإمام مسلم، وابتدأنا بسياق الخبر المتعلِّق بذلك وانتهى الوقت قبل أن ننتهي من قراءة هذا الخبر المهم.
ابتدأنا بذكر أول جواب للإمام مسلم على انتقادات أبي زرعة، وهي قول الإمام مسلم رادًّا على أبي زرعة لما ذكر أن تأليفه للصحيح بهذا العدد يُطَّرق - أي يجعل - لأهل البدع طريقًا على أهل السنة بأن يقولوا: لم يصح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا هذا القدر الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وأجاب مسلم عن ذلك بأنه لم يدعِ الاستيعاب وأنه إنما وسم كتابه بـ"الصحيح"ولم يقل إنه جامع لكل الصحيح؛ هذا هو الجواب الأول.
ثم يُكمل الإمام مسلم كلامه لما انتقد عليه أبو زرعة الإخراج لثلاثة من الرواة وهم: أَسْبَاط بن نَصْر، وقَطَن بن نُسَيْر، وأحمد بن عيسى، فقال الإمام مسلم عليه رحمة الله:
يقول البَرْدَعِي: فقال مسلم: إنما قلتُ صحيح؛ هذا الجواب الأول، وإنَّ ما أدخلتُ من حديث أَسْبَاطٍ وقَطَنٍ وأحمد ما قد رواه الثقاتُ عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي مِن رواية مَن هو أَوْثَقُ منهم بِنُزُول، فأَقْتَصِر على أولئك، وأَصْلُ الحديث معروف من رواية الثقات. أهـ.
فبَيَّن الجواب عن الإخراج لأولئك الرواة بأنه لم يُخرج لهم ما تفردوا به، وإنما أخرج لهم ما تُوبعوا عليه، وأما روايته عنهم في"الصحيح"دون رواية الثقات الآخرين الذين تابعوهم فسبب ذلك أنه وقعت له أحاديث لهؤلاء عالية ووقعت له من رواية الثقات الذين هم أوثق منهم نازلة، والعلو معروف: هو قِلَّة عدد الرواة في الإسناد، والنزول: كثرة العدد.
فيقدم الإمام مسلم العلو في هذه الحالة على النزول، وهو لم يعتمد على أولئك الرواة الاعتماد الكامل؛ لأنه يعرف أن هذا الحديث ثابت من وجوه أخرى، وهذا هو اعتذاره.
نُكمل قراءة النص ثم نعود إلى هذه النقطة لأنها مهمة في بيان منهج الإمام مسلم، يقول البَرْدَعِي: