بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
ابتدأنا بالأمس الكلام عن شرط الحاكم، وذكرنا الشرط الأول وتحدثنا عنه.
الشرط الثاني: لا يلتزم بحكم الآثار الموقوفة.
هذا هو الذي ذكرناه بالأمس وتوقفنا عنده.
ومما يدل على أنه لا يلتزم الحكم بالأحاديث أو بالآثار الموقوفة قوله:"هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يُخْرِجاه"، ذَكَر - طبعًا - في هذا الموطن عددًا من الآثار الموقوفة ثم أَتْبَعَها بحديث مرفوع ثم قال:"هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، والأسانيد التي قبله كلها صحيحه ولم يخرجاها، وإنما تركتُ الكلام عليها؛ لأنها غير مسنَده، وهذا مسنَد" [1] .
فبَيَّن من خلال هذا السياق أنه إنما سكت عن تلك الآثار الموقوفة لأنها ليست مرفوعة، ولو كانت مرفوعة لتكلم عليها.
وهذا أحد الأدلة أن سكوته لا يقتضي التصحيح؛ فإنه بَيَّن أنه سكت عن هذه الآثار لأنها خارجه عن شرط كتابه، وهذا فيه إشارة أيضًا إلى أن سكوته للحديث لا يقتضي تصحيح الحديث الذي يريده.
الشرط الثالث: أنه يتساهل في غير أحاديث الأحكام، وذلك ما نص عليه في أول كتاب الدعاء [2] حيث قال في بداية هذا الكتاب:"وأنا بمشيئة الله أُجْرِي الأخبار التي سقطت على الشيخين - يعني التي لم يخرجها الشيخان - في كتاب الدعوات على مذهب أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي، ثم أسند إلى عبد الرحمن بن مهدي كلمته الشهيرة التي يقول فيها:"إذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد"."
فهنا يبين أنه في الأحاديث التي ليست من أحاديث الأحكام سيتساهل أكثر من تساهله في أحاديث الأحكام؛ وهذا يجب أن يراعيه طالب العلم، لأننا كما ألمحنا إليه في أكثر من موطن وكما سيأتي أن
(1) انظر جـ 1 / ص 316.
(2) جـ 1 / ص 490.