الصفحة 121 من 180

جماهير الأصوليين يقولون: إن النسخ حقيقة في الإزالة وقد يستخدم في النقل مجازا وقوله نسخت ما في هذا الكتاب أي نقلته يشوش عليه في أن نسخ الكتاب ليس نقلا لما في الأصل وإنما هو إيجاد مثل ما كان في الأصل في مكان آخر ولو قال الكتابة تطلق على ما يشبه النقل مع بقاء أصلها بعينه لكان أحسن.

اختلف الأصوليون في تعريف النسخ ووقع خلاف في مفهومه في النصوص الشرعية؛ فعرفه البيضاوي في المنهاج قال"النسخ هو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه"هذا التعريف عليه ملاحظات من أهمها:

قوله"انتهاء"فقد ينتهي الحكم الشرعي الذي له غاية بطريق شرعي متراخ عنه ولا يسمى نسخا فمثلا الصيام هو الامتناع عن الطعام والشراب والوطء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فانتهاء منع الحكم وتناول الطعام بعد غروب الشمس انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه فالانتهاء لا يلزم منه النسخ، لو أن رجلا أجّر رجلا دارا لمدة سنة وانتهت السنة نقول انتهى عقد الإيجار بطريق شرعي وهذا لا يسمى نسخا.

عرّف ابن قدامة في الروضة: النسخ هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. هنا الرفع أدق من الانتهاء مع أنه ليس كل رفع نسخ فقد يرفع الحكم بعذر شرعي مثل الوفاة أو الجنون أو انعدام المحل هذا يسمى رفع فلو أن رجلا تأجر من آخر دارا فهدمت الدار في أثناء مدة الإيجار نقول رفع العقد لأن محله انعدم ونقول عن إنسان عاقل جن رفع عنه القلم.

ويؤخذ على تعريف الماتن للنسخ بأن هذا حد للناسخ وليس للنسخ فالخطاب هو الناسخ. ويمكن تعريف النسخ من ألفاظ الماتن فنقول: النسخ هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب آخر لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

تعود الهاء في"لولاه"على الخطاب الثاني واسم كان في"لكان ثابتا"هو الحكم أي لولا الخطاب الثاني لكان الحكم الذي ثبت بالدليل الأول ثابتا."تراخيه عنه"تراخي الخطاب الثاني عن الخطاب الأول.

قيود التعريف 1 - رفع الحكم المتعلق بفعل المكلف: حتى تخرج الأخبار، الحكم المتعلق بفعل المكلف إيجادا وعدما فعلا وكفا (الكف فعل كما قررنا) فقد ينسخ الواجب والحرام و المباح، أما الأحكام أو النصوص الشرعية والخطابات الشرعية المتعلقة بغير أفعال المكلف بل متعلقة بتصوراته و بأخباره فهذه كلها لا تنسخ مثل صفة الجنة والنار وأن الله حق وأن الأنبياء حق.

2 -لا يوجد نسخ لشيء لم يثبت أصلا في الشرع: لأن الأصل في الأشياء البراءة أو الإباحة ولكن العلماء يفرقون بين البراءة الأصلية و الإباحة فيقولون: ما لم يرد فيه نص فهو على البراءة الأصلية وما ورد فيه نص بالحل وجواز التمتع به فهو مباح، فلما فرض الله علينا الصلاة (وكانت من قبل غير مفروضة علينا) لا نقول أن الخطاب الذي فرض فيه الصلاة نسخ عدم فرض الصلاة لأن عدم فرض الصلاة لم يثبت بدليل شرعي فهي على البراءة فلا يسمى نسخا، ولكن ممكن أن يأمر الله بأمر ولم يقع بعد فيلحقه نسخ فمثلا لما أمر الله عز وجل في المعراج أمة محمد بخمسين صلاة ثم حطها إلى خمس صلوات فالخمس نسخت الخمسين مع عدم الفعل.

3 -لا يوجد نسخ لحكم ثبت شرعا ولكن رفع بعارض من العوارض مثل الجنون؛ فالمجنون رفع عنه التكليف ليس بالخطاب الآخر وكذلك من مات رفع عنه التكليف ولكن ليس بخطاب جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت