الصفحة 89 من 180

فائدة: صلة العام بفعل السلف:

عبر الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات بعبارات فيها تمهيد لكي يؤسس ويقعّد أنه لا ينبغي أن يكون هناك عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبر عن ذلك بعبارات متعددة فقال: كل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه وقال لا يوجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام الفرعية و الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر الأدلة ثم قال: المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره ثم قال: ما سكت عنه في الشريعة على وجهين: أحدهما أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه فلا سبيل إلى مخالفته لأن تركهم لما عمل به هؤلاء مضاد له فمن استلحقه صار مخالفا للسنة حسبما تبين في كتاب المقاصد والثاني أن لا توجد مظنة العمل به ثم توجد فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهي المصالح المرسلة وهي من أصول الشريعة المبني عليها إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع وأيضا فالمصالح المرسلة عند القائل بها لا تدخل في التعبدات البتة وإنما هي راجعة إلى حفظ أصل الملة وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية ولذلك تجد مالكا وهو المسترسل في القول بالمصالح المرسلة مشددا في العبادات أن لا تقع إلا على ما كانت عليه في الأولين فلذلك نهى عن أشياء وكره أشياء وإن كان إطلاق الأدلة لا ينفيها بناء منه على أنها تقيدت مطلقاتها بالعمل فلا مزيد عليه.

ثم مثل الشيخ مشهور فقال: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الآذان كان المقتضى بفعلها قائم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أما الآذان في مكبرات الصوت كان المقتضى غير قائم فينظر لو كان المقتضى قائما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على فعله ولم يفعله ففعله بدعة، فالمقتضى لما كان موجودا في زمنه صلى الله عليه وسلم وحاد عنه وحاد عنه أصحابه ولم يفعلوه فلا يجوز أن نتعبد الله به كما لا يجوز أن نصلي ركعة خامسة في الظهر أو أن نزيد في أي طاعة من الطاعات، مثال آخر: قراءة القرآن على الأموات المقتضى هنا قائم وبالتالي لا يجوز لنا أن نقرأ القرآن على الأموات إلا بدليل فمن قرأ القرآن على الأموات محتجا بدليل هو أصاب في القاعدة، هو فعل حقا ولكن قد يكون عدلا أو ظلما وقد يكون الدليل غير صحيح فشبه إليه أنه دليل وهو ليس بدليل؛ ولذا ينبغي في العموم أن ينظر إلى هذا الجانب وإلى جانب آخر مهم وهو أن العام لا يحتج به على عمومه والمطلق لا يحتج به على إطلاقه في جميع أفراده التي تتحملها اللغة وإنما ينبغي أن يحتج بالعموم والمطلق على استعماله الذي وضعه الشرع له وهذا فيه إعمال لقاعدة وهي أن الحقيقة الشرعية مقدمة على العرفية واللغوية فإن علمنا أن الشرع أطلق في اتجاه ما أو عمم في اتجاه ما فلا يجوز لنا إلا أن نبقى على الاستعمال الشرعي للإطلاق أو للعموم من غير توسعة ولذا باب النصوص قد يحملها بعض الناس ما لا تحتمل، مثلا:"من أحيا أرضا مواتا فهي له"الحديث أي من وجد أرضا عامة مشاعا فاستثمرها وزرعها فهي له في الشرع، ومن المسائل المستجدة مسألة شتل الجنين وهي أن تكون امرأة عندها مبيض وبويضة ولكن لا يوجد عندها رحم لتحمل الحمل فتنقل البويضة بعد تلقيحها إلى رحم امرأة أخرى ثم يأتي الولد، واختلف العلماء في جواز هذه العملية فمنهم أباح ومنهم منع والمبيحون اشترطوا شروطا منها أن تكون المرأة التي توضع البويضة الملقحة فيها متزوجة وبإذن زوجها ونفقتها في أثناء حملها على الأب صاحب البويضة واختلفوا في الولد هل هو لصاحبة البويضة أو للوالدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت