وأما قولكم (وبعد فلما أن ورد كتابكم إلى حضرة سليمان باشا طلبتم منه أن يجمع علماء مملكته لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إليّ وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالًا لأمره نظرنا فيه فبعد أن طالعناه، وفهمنا فحواه، وجدناه كتابًا جامعًا لشتات من المسائل مشتملًا على عدة رسائل لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين، وقوي ووهين ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطرًا، ولم يمعن فيها نظرًا، ولا قرأ على أحد ممن يهديه إلى النهج القويم ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم.
فنقول (وبعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من غرض إلى غرض آخر ويندب الإتيان بما في الخطب والمكاتبات كما كان صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خطبه ومكاتباته. رواه عبد القادر الرهاوى في الأربعين له عن أربعين صحابيًا، وأول من تكلم بها داود صلى الله عليه وسلم فهي فصل الحطاب الذي أوتيه، والصحيح أنه فصل الخصومات كما عليه جل العلماء، وقيل أول من تكلم بها يعرب بن قحطان، وقيل قس بن ساعدة، وقيل غير ذلك، وهي من الظروف التي تقع على الزمان والمكان، ويجوز هنا إرادة كل منهما، وهي مبنية على الضم لنية معنى المضاف إليها ويجوز نصها لنية لفظه كما لو ذكر وان لم ينو شيء من ذلك جاز تنويها نصبًا وضمًا، والواو نائبة عن أما، وأما نائبة عن مهما، والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمدلة إلى آخره. (فلما) أو غير ذلك (ان ورد) من ورد الشيء إلى مستقره أي وصل (كتابكم) أي مكتوبكم (إلى الوزير) المذكور اسمه أعلاه وفقه الله وهداه وأصلح أحوالنا وإياه (وطلبتم منه أن يجمع علماء مملكته) أي دولته وسلطته وهم علماء بلده المقيمون فيه.