البدع والشرك، ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا.
وقال سلمة بن وردان رأيت أنس ابن مالك رضي الله عنه يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ان المسلم إذا فرغ من السلام وأراد الدعاء استقبل القبلة حتى لا يدعو عند القبر، فان الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره مرفوعًا:"الدعاء هو العبادة"فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور منها إلاَّ ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن فيه من السلام كلى أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم، فان الميت قد انقطع عمله، وهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبًا واستحبابًا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي، وعلى هذا مضى الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا انتصر به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأصحابها أفضل منه في غير تلك البقعة أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي علمًا وعملًا على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علمًا وعملًا بهذا الفضل العظيم، وتظاهر به الخلوف علمًا وعملًا، ولا يجوز أن يعلم السابقون الأولون علمًا ويزهدون فيه عملًا وهو يحثهم على الطاعة ويرغبهم فيها ثم لا ينقلونه أيضًا إلى من بعدهم مع حرصهم على كل خير لاسيما الدعاء فان المضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعًا وان كان فيه كراهة هذا، وهم قد عرضت عليهم شدائد واضطرارات وفتن وازعاجات وقحط وسنون مجدبات أفلا جاؤا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه شاكين وله بها مخاطبين وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم إياه داعين أم كيف يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونها، هذا محال طبعًا وشرعًا، وقد أنكر الصحابة رضي الله عنهم ما هو دون هذا بكثير، فروي غير واحد عن المعرور بن سويد قال صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل