فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 402

قال جل ذكره: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك لظلم عظيم، فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، وأوجب الواجبات وأفرض الطاعات، ولما كان الشرك بالله منافيًا بالذات لتوحيده تعالى وإخلاص العبادة له كان اكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدًا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملًا أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندًا وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه، رقد أرسل سبحانه وتعالى رسله إلى خلقه، وأنزل كتبه ليعلموا ذلك ويتيقنوه إقامة للحجة علهم، كما قال عز من قائل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} إلى أن قال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فدين الرسل واحد. لم يختلفوا في شيء من أصله. وإنما تحصل الفترة بين الرسولين فيندرس الدين أو بعضه فيُجهل ويُترك.

وقد بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل وأهل الأرض مَقتَهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل، أو مبدل ومنسوخ، والدين كله أو بعضه مجهول متروك، وأمى من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر وتمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال سيئة يحسبونها صلاحًا وهي فساد، وغاية البارع منهم علمًا وعملًا أن يحصل قليلًا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليه حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت