فهرس الكتاب

الصفحة 746 من 970

اعلم أن الإِسلام جاء قاضيًا بتوحيد الله وتوحيد الاجتماع وتوحيد الأفكار وتوحيد المقاصد في عصر غلبت فيه نزغات الأهواء البشرية على النفوس ونزع الأمم كافة منازع الوثنية، فشوّه مؤمنهم وجه الدين وانحرف عن وجهة الكتاب، وأوغل كافرهم في مناحي الخيال فخلق من ضعيف التصور أشكالًا من العبادة تختلف باختلاف المنازع والأقطار، فتشكلت بأشكالها الأخلاق وتنوعت المقاصد وتخالفت الوجهة وتناكرت النفوس وتجزأت الوحدة عند كل أمة في الاجتماع والسياسة والدين، فأصبح أهل الكتاب اليهود منهم بين قرائين وربانيين وسامريين وغيرهم، والنصارى بين يعاقبة وآريوسيين ونسطوريين وما لا يعد من الفرق وغير أهل الكتاب من الأمم الأخرى بين صابئة ومجوس وبراهمة وما لا يعد من الفرق أيضًا. فكان الانقسام والتجزؤ في الاجتماع والسياسة تبعًا للنحل قائمًا مع الأهواء، فباتت الدول المجاورة للعربية وهي فارس والروم وما أدراك ما فارس والروم أعرق الدول في المدنية وأقصاها غاية في التاريخ وأرهبها قوة في الأرض وأمدها ظلًا عليها أشبه بشجرة تأصلت جذورها وتسامقت فروعها في الفضاء، فجاءتها ريح عاصف تعنعت أصلها وتلاعبت بأغصانها فقصفتها قصفًا وعصفت فيها عصفًا، فزوت أفنانها وتفرقت مع الريح بأغصانها، فكانت دولة الووم غرضًا ترمي إليها الأهواء بسهامها وفريسة تتنازعها العناصر المنفردة منها والأقوام المنشقة عنها والشاغبة عليها كالعرب والأرمن واليونان والرومان والصقالبة وغيرهم، ودولة الفرس كذلك تفككت أعضاؤها وتجزأت وحدتها، فاستبد عمالها بالأطراف وتنازعوا سلطان الأكاسرة وتوثبوا على الملك وتعسفوا بالحكم وظلموا الرعية، ومن ثم انحلت من تلك الأمم عرى وحدتها وتفرقت أهواء أهلها وتباينت مقاصد قادتها وزعمائها، فانزوت شموس مدنيتها وكادت تندثر من الوجود آثار الحضارة والعلم التي انتهت إلى دولتي الفرس والروم وتعود حالة البشر إلى أقبح ماكانت عليه قبل تاريخ الحضارة وبعثة الأنبياء هداة الأمم من فوضى الاجتماع وتفرق الأهواء وانحطاط المدارك والعقول ويأبى الله إلا أن يتم كلمته في خلقه ويجعل الإنسان مظهر قدرته ويديم عليه سوابغ رحمته، لهذا أرسل الله سبحانه وتعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا وأنزل عليه القرآن فيه هدى ونور ورحمة للعالمين لينذر به من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فامتثل محمَّد - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه ودعا الناس إلى دينه، دعاهم إلى توحيد الله فلا يشركون به شيئًا وإلى توحيد الاجتماع فلا يتفرقون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت