وكان فصيح اللسان قوي الحجة إذا خطب كثير التذكير بالله والتخويف منه والترغيب فيه روي عن الزبير بن بكار أنه قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب.
أجمع الرواة أن أبا بكر لما قبض ارتجت المدينة ودهش القوم كيوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء علي مسرعًا باكيًا مسترجعًا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر كنت والله أول القوم إسلامًا وأخلصهم إيمانًا وأشدهم يقينًا وأعظمهم غنى وأحفظهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدبهم على الإِسلام وأحماهم عن أهله وأنسبهم برسول الله خلقًا وفضلًا وهديًا وصمتًا فجزاك الله عن الإِسلام وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقت رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا وقمت معه حين قعدوا وسماك الله في كتابه صديقًا فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} يريد محمدًا ويريدك، كنت والله للإسلام حصنًا وللكافرين ناكيًا، لم تضلل حجتك ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك، كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفًا في بدنك قويًا في دينك متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله جليلًا في الأرض كبيرًا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى، فالضعيف عندك قوي والقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق من القوي وتأخذ للضعيف، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك.
تنبيه: اعلم أن الأخبار عن علي رضي الله عنه بصحة خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكونهما خيري الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبتت عنه من طرق كثيرة بروايات كثيرة من الثقات العدول منهم: ابنه محمد ابن الحنفية بحيث يجزم من يتتبعها بصدور ذلك القول من عليك رضي الله عنه جزمًا قاطعًا ليس فيه شك ولا ريب. قال الحافظ الذهبي: تواتر ذلك عن علي رضي الله عنه ورواه عنه نيف وثمانون من أصحابه وصرح بذلك في الخلوة والملأ وخطب بذلك على منبر الكوفة زمن خلافته مع حضور الجمع العظيم، ولهذا اتفق الأئمة الأربعة وأئمة الحديث مثل البخاري ومسلم وبقية أصحاب الكتب الستة وغيرهم وأئمة السلف وبقية أهل السنة والجماعة على اعتقاد صحة خلافته. قال سفيان الثوري: من قال إن عليًا رضي الله عنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار وما أراه يرتفع له مع هذا الاعتقاد عمل إلى السماء. وأخرج الدارقطني عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما مثل ذلك.