ذلك علمًا وعملًا ببغداد وقرطبة فسعى شارلمان في إصلاح قوانين دولته مقلدًا الرشيد وبعث وفدًا إليه مصحوبًا بهدايا ثم رجع الوفد ومعه هدايا منها ساعة وفيل وشطرنج وبعض أقمشة نفيسة فلما نظرها رجال شارلمان ظنوها من الأمور السحرية وأوقعهم في حيرة حتى همُّوا بكسر الساعة. كانت العلوم في عهد المأمون أرقى عهود العلم في العصر العباسي وظهر في وقته جمهور من فطاحل العلماء توغلوا في البحث عن أصول الدين والعقائد وكان المأمون محبًا للعلم ولزيادة نشره ومغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها وله جولة في العلوم الدينية كما كانت له جولة في العلوم الصناعية وكان أثره في هذا أظهر من أثره في تلك وكانت له حركة قوية ونشاط عظيم بترجمة الكتب اليونانية وغيرها إلى اللسان العربي وكان لعهده جماعة ذوو يسار اعتنوا بنقلها إلى اللسان العربي وبذلوا الرغائب وأنفذوا جماعة إلى بلاد الروم فجاؤوهم بطريف الكتب وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب والنجوم فكثرت الكتب المترجمة في جميع العلوم الصناعية ولما نقلت إلى العربية اشتغل بها ناس كثيرون علمًا وعملًا ووجد منهم فلاسفة عظام ألّفوا كتبًا عظيمة في هاته العلوم وكانت الأمة في استعداد تام لتلقي هاته العلوم والتصرف فيها والبناء عليها والزيادة فنفقت بسبب ذلك هذه العلوم وكان المأمون المساعد الأكبر في نفاقها والفضل له في ذلك مع حفظ الفضل لمَن سبقه كأبيه الرشيد وجده المنصور فإنهما وضعا الأساس اهـ. من محاضرات الخضري.
وفي خلاصة تاريخ العرب أن الصدر الأول من خلفاء بني العباس استعملوا شوكتهم في تزكية العقول وتنمية المعاش فأحدثوا كثيرًا من المكاتب والمدارس التعليمية والإكمالات الإحسانية وحضُّوا على اكتساب التجارة وسائر الفنون واختص المنصور منهم بأنه أول مَن حثّ على الاشتغال بالعلوم واقتدى به من بعده في نشرها وتوسعتها بجلبهم من الأقاليم التي فتحوها علماء لترجمة أعظم كتب اليونان وإنشائهم كتبخانات ومدارس يتعلم فيها الخاص والعام العلوم الفلكية والرياضية والطبية والفلسفية مع تعلم القرآن العظيم وتدريس تفسيره وخصصوا مدرسة رتبوا لها خمسة عشر ألف دينار يتعلم بها مجانًا ستة آلاف تلميذ من الفقراء والأغنياء وانتشرت اللغة العربية في كثير من الجهات واعتاد المأمون ومَن اقتدى به حضور الدروس العامة التي يلقيها المدرسون ويمتحن مَن أراد أن يوظف عدة امتحانات وصرف مبالغ من النقود على ذلك وعلى جميع العلماء لحل مشكلات المسائل ومهر في زمنه كثير من العلماء في العلوم والفنون على اختلاف أنواعها واطلعوا شموس العلوم الرياضية وبنوا الأرصاد التي بها آلات عجيبة للاستكشاف الفلكي ومستشفيات