قال: أنشدت يحيى بن تميم هاته القصيدة وخاصته بين يديه وعبد العزيز بن عمار في الجملة وكان في هاته الصناعة أبصر الجماعة. فقال له يحيى: كيف ترى ما تسمع؟ قال: حسن الحوك محكم السرد. فقال له: أتعرف قائله؟ قال: لا. قال: هو ذلك الجالس يشير إليّ. فعلاه بسبب ذلك فتور ونفور عن الاستماع بحسب ما يعرض من العوام الرعاع عندما ينشدون لمن جمعهم وإياه مكان وزمان وإنما عنوا بامتداح القديم وتعظيم العظم الرميم وسببه الحسد وكثيرًا ما يعدون الصواب محالًا والصداء آلًا والقوام اعوجاجًا والعذب ملحًا أجاجًا. انتهى.
قلت: قال بعضهم: المعاصرة أصل المنافرة. وقال شيخنا حسين بن أحمد: المعاصرة حجاب.
وأبو الصلت هذا مقبور بالمنستير وقبره غير معروف وهو ابن الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي يكنى بالأديب الحكيم. في صلة ابن الآبار: خرج من بلاده ابن عشرين سنة يطلب العلم فتفنن في العلم والآداب والعروض والتاريخ وسجن أثناء ذلك ثم تخلص من اعتقاله فنزل بالمهدية على رأس الخمسمائة في كنف أمرائها الصنهاجيين يحيى بن تميم بن المعز وولده على عشرين سنة وكان من أفراد العلماء وفحول الشعراء والأدباء وله تآليف في فنون شاهدة بفضله ودالة على سعة علمه، وقد أوردت له في تأليفي تحفة القادم كثيرًا من شعره وكتب إلى أبو جعفر بن عات أن أبا الحسن بن المفضل أنشده بالإسكندرية قال: أنشدني عبد الله بن يوسف القضاعي قال: أنشدني أبو الصلت أمية بن عبد العزيز قال: أنشدني أبو محمد التكريتي من تلامذة الغزالي لأبي حامد هذا ولم أسمعه من غيره، ولا ذكر له أبو الصلت، في الحديقة:
جعلت عقارب صدغه في خده ... قمرًا يجلّ سنى عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... فمن العجائب كيف حلت فيه
أفادني أكثر خبره بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عبد الخالق الخطيب بالمنستير توفي سنة 520 هـ أو بعدها يسير انتهى.
وفي حسن المحاضرة: أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الداني الأندلسي قال في العبر: كان ماهرًا في علوم الأوائل رأسًا في معرفة الهيئة والنجوم والموسيقى والطبيعي والرياضي والإلهي كثير التصانيف بديع النظم مات سنة 528 هـ عن ثمان وستين سنة انتهى.