سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: 190] لَا يَخْلُو إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} [البقرة: 243] وَذَلِكَ مِنَ الْمِحَالِ أَنْ يُمِيتَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ. أَوْ يَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 190] أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِالْقِتَالِ، وَقَوْلَهُ: {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ قَدْ مَضَى. وَغَيْرُ فَصِيحٍ الْعَطْفُ بِخَبَرٍ مُسْتَقْبِلٍ عَلَى خَبَرٍ مَاضٍ لَوْ كَانَا جَمِيعًا خَبَرَيْنِ لِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَكَيْفَ عَطَفَ الْأَمْرَ عَلَى خَبَرٍ مَاضٍ؟ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَسْقَطَ الْقَوْلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} بِمَعْنَى: يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَبْصَرَنَا وَسَمِعْنَا وَذَلِكَ أَيْضًا إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَى حَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَيَفْهَمُ السَّامِعُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، فَأَمَّا فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَا دَلَالَةَ عَلَى حَاجَةِ الْكَلَامِ إِلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنَّهُ مُرَادٌ فِيهَا