الفرقانُ بينَ أولياءِ الرَّحمَنِ وأولياءِ الشَّيْطانِ
لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
حققه وعلق عليه
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
مقدمةُ المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن والاه إلى يوم الدين .
وبعد:
فإن تعالى يقول في محكم كتابه العزيز: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) [يونس/62-64] } .
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوا وَأَخْلَصُوا العِبَادَةَ لَهُ وَحْدَهُ ، وَالتَّوَكُلَ عَلَيْهِ ، لاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَهْوَالِ الآخِرَةِ ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
وَيَقُولُ تَعَالَى مُعَرِّفًا ( أَوْلِيَاءَ اللهِ ) : بِأَنَّهُمُ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ ، وَيُرَاقِبُونَهُ فِي سِرِّهِمْ وَعَلاَنِيَّتِهِمْ ، فَلاَ يَقُومُونَ إِلاَّ بِمَا يُرْضِي اللهَ رَبَّهُمْ . (1)
وقد قرن الله تعالى بين هاتين الصفتين في مواضع عدة مبينا جزاءهم عنده ، فقال تعالى: { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) } سورة يوسف .
وقال تعالى: { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) } [النمل/51-54]
وقال تعالى: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) } [فصلت/17-19]
لقد نَجَّى اللهُ تَعَالَى صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ العَذَابِ ، فَلَمْ يُوقِعْهُ بِهِمْ بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ ، وَأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَاتِ .
هذا وسوف نتعرض في هذه المقدمة للموضوعات التالية:
أولًا-أهمُّ المؤلفات في هذا الموضوع
لقد ألفت كتبٌ كثيرةٌ في بيان صفة الأولياء ومن أهمها:
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
القطر الجلي بشرح حديث الولي للإمام الشوكاني رحمه الله ، وهو من أنفس ما ألف في هذا الموضوع .
شرح حديث الولي لابن رجب الحنبلي ، وهو شرح نفيس ضمن جامع العلوم الحكم
وما من عالم إلا وقد كتب عن هذا الموضوع الجلل .
ثانيا-أهم خصائص كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
(1) - انظر أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 1428)