فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 322

[النحل/98-102] ، فَسَمَّاهُ الرُّوحَ الْأَمِينَ وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ .

وَقَالَ تَعَالَى: { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) } [التكوير/15-17] (1) ، يَعْنِي: الْكَوَاكِبَ الَّتِي تَكُونُ فِي السَّمَاءِ خَانِسَةً ،أَيْ: مُخْتَفِيَةً قَبْلَ طُلُوعِهَا فَإِذَا ظَهَرَتْ رَآهَا النَّاسُ جَارِيَةً فِي السَّمَاءِ فَإِذَا غَرَبَتْ ذَهَبَتْ إلَى كناسها الَّذِي يَحْجُبُهَا: { وَاللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ } أَيّ إذَا أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ الصُّبْحُ { وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ } أَيْ أَقْبَلَ { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } أَيْ مُطَاعٍ فِي السَّمَاءِ أَمِينٍ ثُمَّ قَالَ: { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } أَيْ صَاحِبُكُمْ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِهِ إذْ بَعَثَهُ إلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ جِنْسِكُمْ يَصْحَبُكُمْ ،إذْ كُنْتُمْ لَا تُطِيقُونَ أَنْ تَرَوْا الْمَلَائِكَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام/8] .

وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } أَيْ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } أَيْ بِمُتَّهَمِ وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: { بِضَنِينٍ } أَيْ بِبَخِيلِ يَكْتُمُ الْعِلْمَ وَلَا يَبْذُلُهُ إلَّا بِجُعْلٍ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَكْتُمُ الْعِلْمَ إلَّا بِالْعِوَضِ . { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } فَنَزَّهَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَيْطَانًا، كَمَا نَزَّهَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا أَوْ كَاهِنًا .

أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمُقْتَدُونَ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(2)

(1) - أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى بِالنُّجُومِ التِي تَغِيبُ عَنِ العُيُونِ فِي النَّهَارِ ، وَتَخْتَفِي عَنِ الأبْصَارِ ، وَكَأَنَّهَا تَخْنُسُ فِي النَّهَارِ [ وَلاَ لِتَوْكِيدِ القَسَمِ ، وَقِيلَ إِنَّهَا صِلَةٌ مِثلهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( لَئِلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ ) ] .

وَهِيَ تَجْرِي فِي أَفْلاَكِهَا وَمَدَارَاتِهَا وَتَعُودُ لِتَظْهَرَ فِي اللَّيْلِ ، وَكَأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى مَوَاقِعَهَا كَمَا يَعُودُ الظَّبْيُ إِلَى كِنَاسِهِ ( أَيْ بَيْتِهِ ) .

(2) - انظر مجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 83) ومجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 176) ومجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 178) ومجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 400) ومجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 202) ومجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 298) ومجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 299) ومجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 302) ومجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 635) ومجموع الفتاوى - (ج 19 / ص 55) ومجموع الفتاوى - (ج 27 / ص 497) ومجموع الفتاوى - (ج 35 / ص 117)

وفي شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 3 / ص 207)

قَوْلُهُ: ( وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ ) .

ش: فالْمُعْجِزَةُ فِي اللُّغَةِ تَعُمُّ كُلَّ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ ، وَ [ كذلك الكرامة] فِي عُرْفِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يُفَرِّقُونَ فِي اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا ، فَيَجْعَلُونَ الْمُعْجِزَةَ لِلنَّبِيِّ ، وَالْكَرَامَةَ لِلْوَلِيِّ . وَجِمَاعُهُمَا: الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ .

والْكَمَالُ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: الْعِلْمِ ، وَالْقُدْرَةِ ، وَالْغِنَى . وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا تَصْلُحُ عَلَى الْكَمَالِ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ دَعْوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: { قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } (الْأَنْعَامِ: 50 ) .

وَكَذَلِكَ قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَهَذَا أَوَّلُ أُولِي الْعَزْمِ ، وَأَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَهَذَا خَاتَمُ الرُّسُلِ ، وَخَاتَمُ أُولِي الْعَزْمِ ، وَكِلَاهُمَا تَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُطَالِبُونَهُمْ تَارَةً بِعِلْمِ الْغَيْبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } ( النَّازِعَاتِ: 42) ، وَتَارَةً بِالتَّأْثِيرِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا } الْآيَاتِ ( الْإِسْرَاءِ: 90 ) ، وَتَارَةً يَعِيبُونَ عَلَيْهِمُ الْحَاجَةَ الْبَشَرِيَّةَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ( الْفُرْقَانِ: 7) الْآيَةَ .

فَأُمِرَ الرَّسُولُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَنَالُ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ بِقَدْرِ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ ، فَيَعْلَمُ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، وَيَسْتَغْنِي عَمَّا أَغْنَاهُ عَنْهُ ، وَيَقْدِرُ عَلَى مَا أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ ، أَوْ لِعَادَةِ أَغْلَبِ النَّاسِ . فَجَمِيعُ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ مَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ

ثُمَّ الْخَارِقُ: إِنْ حَصَلَ بِهِ فَائِدَةٌ مَطْلُوبَةٌ فِي الدِّينِ ، كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا دِينًا وَشَرْعًا ، إِمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ، وَإِنْ حَصَلَ بِهِ أَمْرٌ مُبَاحٌ ، كَانَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي شُكْرًا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ ، كَانَ سَبَبًا لِلْعَذَابِ أَوِ الْبُغْضِ ، كَالَّذِي أُوتِيَ الْآيَاتِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا: بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَا ، [ لكن قد يكون صاحبها معذورا ] لِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ ، أَوْ نَقْصِ عَقْلٍ أَوْ عِلْمٍ ، أَوْ غَلَبَةِ حَالٍ ، أَوْ عَجْزٍ أَوْ ضَرُورَةٍ .

فَالْخَارِقُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَحْمُودٌ فِي الدِّينِ ، وَمَذْمُومٌ ، وَمُبَاحٌ . فَإِنْ كَانَ الْمُبَاحُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَانَ نِعْمَةً ، وَإِلَّا فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا .

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَوْزَجَانِيُّ: كُنْ طَالِبًا لِلِاسْتِقَامَةِ ، لَا طَالِبًا لِلْكَرَامَةِ ، فَإِنَّ نَفْسَكَ مُتَحَرِّكَةٌ فِي طَلَبِ الْكَرَامَةِ ، وَرَبُّكَ يَطْلُبُ مِنْكَ الِاسْتِقَامَةَ .

قَالَ الشَّيْخُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي عَوَارِفِهِ: [وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْبَابِ] ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ [وَالْمُتَعَبِّدِينَ] سَمِعُوا [عن] سَلَفِ الصَّالِحِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَمَا مُنِحُوا بِهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ، فَنُفُوسُهُمْ لَا تَزَالُ تَتَطَلَّعُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُرْزَقُوا شَيْئًا مِنْهُ ، وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَبْقَى مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ ، مُتَّهِمًا لِنَفْسِهِ فِي صِحَّةِ عَمَلِهِ ، حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ خَارِقٌ ، وَلَوْ عَلِمُوا بِسِرِّ ذَلِكَ لَهَانَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ ، فَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ عَلَى بَعْضِ [الْمُجتهِدِينَ] الصَّادِقِينَ مِنْ ذَلِكَ بَابًا ، وَالْحِكْمَةُ [فِيهِ] أَنْ يَزْدَادَ بِمَا [يَرَى] مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَآثَارِ الْقُدْرَةِ - يَقِينًا ، فَيَقْوَى عَزْمُهُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْخُرُوجِ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى . فَسَبِيلُ الصَّادِقِ مُطَالَبَةُ النَّفْسِ بِالِاسْتِقَامَةِ ، فَهِيَ كُلُّ الْكَرَامَةِ .

وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْقُلُوبِ مِنَ التَّأْثِيرِ أَعْظَمَ مِمَّا لِلْأَبْدَانِ ، لَكِنْ إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً كَانَ تَأْثِيرُهَا صَالِحًا ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً كَانَ تَأْثِيرُهَا فَاسِدًا . فَالْأَحْوَالُ يَكُونُ تَأْثِيرُهَا مَحْبُوبًا لِلَّهِ تَعَالَى تَارَةً ، وَمَكْرُوهًا لِلَّهِ أُخْرَى .

وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى مَنْ يَقْتُلُ غَيْرَهُ فِي الْبَاطِنِ . وَهَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ بِبَوَاطِنِهِمْ وَقُلُوبِهُمُ الْأَمْرَ الْكَوْنِيَّ ، وَيَعُدُّونَ مُجَرَّدَ خَرْقِ الْعَادَةِ لِأَحَدِهِمْ أَنَّهُ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا الْكَرَامَةُ لُزُومُ الِاسْتِقَامَةِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكْرِمْ عَبْدًا بِكَرَامَةٍ أَعْظَمَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَهُوَ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ، وَمُوَالَاةُ أَوْلِيَائِهِ ، وَمُعَادَاةُ أَعْدَائِهِ . وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .

وَأَمَّا مَا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عَبْدَهُ ، مِنَ السِّرِّ بِخَرْقِ الْعَادَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا أَوْ بِالضَّرَّاءِ - فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ كَرَامَةِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ وَلَا هَوَانِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ قَدْ سَعِدَ بِهَا قَوْمٌ إِذَا أَطَاعُوهُ ، وَشِقِيَ بِهَا قَوْمٌ إِذَا عَصَوْهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي } { وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي } { كَلَّا } (الْفَجْرِ: 15 - 17 ) .

وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ تَرْتَفِعُ دَرَجَتُهُمْ بِخَرْقِ الْعَادَةِ ، وَقِسْمٌ يَتَعَرَّضُونَ بِهَا لِعَذَابِ اللَّهِ ، وَقِسْمٌ يَكُونُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاحَاتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .

وَتَنَوُّعُ الْكَشْفِ وَالتَّأْثِيرِ بِاعْتِبَارِ تَنَوُّعِ كَلِمَاتِ اللَّهِ . وَكَلِمَاتُ اللَّهِ نَوْعَانِ: كَوْنِيَّةٌ ، وَدِينِيَّةٌ:

فَكَلِمَاتُهُ الْكَوْنِيَّةُ هِيَ الَّتِي اسْتَعَاذَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: « أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ » . قَالَ تَعَالَى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ( يس: 82 ) . وَقَالَ تَعَالَى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } ( الْأَنْعَامِ: 115 ) . وَالْكَوْنُ كُلُّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، وَسَائِرِ الْخَوَارِقِ .

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْكَلِمَاتُ الدِّينِيَّةُ ، وَهِيَ الْقُرْآنُ وَشَرْعُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ ، وَهِيَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَخَبَرُهُ ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهَا الْعِلْمُ بِهَا ، وَالْعَمَلُ ، وَالْأَمْرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، كَمَا أَنَّ حَظَّ الْعِبَادِ عُمُومًا وَخُصُوصًا الْعِلْمُ بِالْكَوْنِيَّاتِ وَالتَّأْثِيرُ فِيهَا ، أَيْ بِمُوجَبِهَا . فَالْأُولَى تَدْبِيرِيَّةٌ كَوْنِيَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ . فَكَشْفُ الْأُولَى الْعِلْمُ بِالْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ ، وَكَشْفُ الثَّانِيَةِ الْعِلْمُ بِالْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ .

وَقُدْرَةُ الْأُولَى التَّأْثِيرُ فِي الْكَوْنِيَّاتِ ، إِمَّا فِي نَفْسِهِ كَمَشْيِهِ عَلَى الْمَاءِ ، وَطَيَرَانِهِ فِي الْهَوَاءِ ، وَجُلُوسِهِ فِي النَّارِ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِهِ ، بِإِصْحَاحٍ وَإِهْلَاكٍ ، وَإِغْنَاءٍ وَإِفْقَارٍ .

وَقُدْرَةُ الثَّانِيَةِ التَّأْثِيرُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ، إِمَّا فِي نَفْسِهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِهِ فَيُطَاعُ فِي ذَلِكَ طَاعَةً شَرْعِيَّةً .

فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ الْخَوَارِقِ عِلْمًا وَقُدْرَةً لَا تَضُرُّ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ ، وَلَمْ يُسَخَّرْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْكَوْنِيَّاتِ -: لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ فِي مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ ذَلِكَ أَنْفَعَ لَهُ ، فَإِنَّهُ إِنِ اقْتَرَنَ بِهِ الدِّينُ وَإِلَّا هَلَكَ صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَإِنَّ الْخَارِقَ قَدْ يَكُونُ مَعَ الدِّينِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِهِ ، أَوْ فَسَادِهِ ، أَوْ نَقْصِهِ .

فَالْخَوَارِقُ النَّافِعَةُ تَابِعَةٌ لِلدِّينِ ، خَادِمَةٌ لَهُ ، كَمَا أَنَّ الرِّيَاسَةَ النَّافِعَةَ هِيَ [ التَّابِعَةُ] لِلدِّينِ ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ النَّافِعُ ، كَمَا كَانَ السُّلْطَانُ وَالْمَالُ النَّافِعُ بِيَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . فَمَنْ جَعَلَهَا هِيَ الْمَقْصُودَةَ ، وَجَعَلَ الدِّينَ تَابِعًا لَهَا ، وَوَسِيلَةً إِلَيْهَا ، لَا لِأَجْلِ الدِّينِ فِي الْأَصْلِ -: فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ يَأْكُلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ، وَلَيْسَتْ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ تَدَيَّنَ خَوْفَ الْعَذَابِ ، أَوْ رَجَاءَ الْجَنَّةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَشَرِيعَةٍ صَحِيحَةٍ .

وَالْعَجَبُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ هَمَّهُ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنَ النَّارِ أَوْ طَلَبًا لِلْجَنَّةِ - يَجْعَلُ هَمَّهُ بِدِينِهِ أَدْنَى خَارِقٍ مِنْ خَوَارِقِ الدُّنْيَا !! ثُمَّ إِنَّ الدِّينَ إِذَا صَحَّ عِلْمًا وَعَمَلًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ خَرْقَ الْعَادَةِ ، إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ . قَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } { وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ( الطَّلَاقِ: 2 - 3) . وَقَالَ تَعَالَى: { إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } ( الْأَنْفَالِ: 29 ) . وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } { وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا } { وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } (النِّسَاءِ: 66 - 68 ) . وَقَالَ تَعَالَى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } ( يُونُسَ: 62 - 64 ) .

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ"ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } » (الْحِجْرِ: 75 ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ."

وَقَالَ تَعَالَى ، فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لِأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ » . فَظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ حَظُّ الرَّبِّ ، وَطَلَبَ الْكَرَامَةِ حَظُّ النَّفْسِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت