فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 322

لَا يَكُونُ الْعَبْدُ وَلِيًّا لِلَّهِ إلَّا إذَا كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا

وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ إلَّا إذَا كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } [يونس/62، 63] ،وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ - وَقَدْ تَقَدَّمَ - يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ: { وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ } (3)

(1) - وَهَلْ يَسْتَوِي حَالُ هَذَا المُشْرِكِ الذِي يَكْفُرُ بِنعَمِ اللهِ ، وَيُشْرِكُ بِهِ الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ ، وَلاَ يَذْكُرُ الله إِلاَّ عِنْدَ الشَّدَّةِ والبَلاَءِ ، مَعَ حَالِ مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ قَائِمٌ بِأَدَاءِ الطَّاعَاتِ ، وَدَائِبٌ عَلَى العِبَادَاتِ آنَاءَ اللَّيْلِ حِينَمَا يَكُونُ النَّاسُ نِيامًا ، لاَ يَرْجُو مِنْ أَدَائِهَا غَيْرَ رِضْوَانِ اللهِ وَثَوَابِهِ وَرَحْمَتِهِ ، إِنَّهُمَا بِلاَ شَكٍّ لاَ يَسْتَوِيَانِ .

ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى عَدَمَ التَّسَاوِي بَيْنَ المُؤْمِنِ المُطِيعِ والكَافِرِ الجَاحِدِ ، فَقَالَ لرَسُولِهِ الكَرِيمِ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤَلاَءِ: هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ مِنْ ثَوَابٍ ، وَمَا لَهُمْ فِي مَعْصِيَتِهِ مِنْ عِقَابٍ ، وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ بِحُجَجِ اللهِ ، وَيَتَّعِظُ بِهَا ، وَيَتَدَبَّرُهَا أَهَلُ العُقُولِ والأَفْهَامِ ، لاَ أَهْلَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ .

(2) - وعطف"الذين أوتوا العلم"على"الذين آمنوا"من باب عطف الخاص على العام ، على سبيل التعظيم والتنويه بقدر العلماء .

أى: وإذا قيل لكم ارتفعوا عن مواضعكم في المجالس فارتفعوا ، فإنكم إن تفعلوا ذلك ، يرفع الله - تعالى - المؤمنين الصادقين منكم درجات عظيمة في الآخرة ، ويرفع العلماء منكم درجات أعظم وأكبر .

ويرى بعضهم أن المراد بالموصولين واحد ، والعطف في الآية لتنزيل التغاير في الصفات ، منزلة التغاير في الذات .

والمعنى: يرفع الله الذين آمنوا العالمين درجات عظيمة لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى - .الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4124)

(3) - صحيح البخارى (6502)

وفي جامع العلوم والحكم - (ج 38 / ص 11)

الدرجة الثانية: درجةُ السابقين المقرَّبين ، وهُمُ الذين تقرَّبوا إلى الله بعدَ الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات ، والانكفافِ عن دقائقِ المكروهات بالوَرعِ ، وذلك يُوجبُ للعبدِ محبَّة اللهِ ، كما قال: (( ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحبَّه ) )، فمن أحبه الله ، رزقه محبَّته وطاعته والاشتغالَ بذكره وخدمته ، فأوجبَ له ذلك القرب منه ، والزُّلفى لديه ، والحظْوة عنده ، كما قال الله تعالى: { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (( المائدة: 54 . ) )، ففي هذه الآية إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أعرض عن حبنا ، وتولى عن قربنا ، لم نبال ، واستبدلنا به من هو أولى بهذه المنحة منه وأحقُّ ، فمن أعرضَ عنِ الله ، فما له مِنَ الله بَدَلٌ ، ولله منه أبدال .

ما لي شُغل سِواه ما لي شُغلُ ما يَصرِفُ عن هواه قلبي عذلُ

ما أصنعُ إنْ جفا وخابَ الأملُ مِنِّي بدل ومنه ما لي بدلُ

وفي بعض الآثار يقول الله - عز وجل -: (( ابنَ آدم ، اطلبني تجدني ، فإنْ وجدتني ، وجدتَ كُلَّ شيء ، وإنْ فُتُّك ، فاتك كُلُّ شيءٍ ، وأنا أحَبُّ إليك من كلِّ شيءٍ ) ).

كان ذو النون يردّد هذه الأبيات بالليل كثيرًا:

اطلبوا لأنفسكم مثل ما وَجَدْتُ أنا

قد وجدت لي سكَنًا ليس في هواه عَنَا

إنْ بَعَدْتُ قرَّبَنِي أو قَرُبْتُ مِنه دَنا

من فاته الله ، فلو حصلت له الجنةُ بحذافيرها ، لكان مغبونًا ، فكيف إذا لم يحصل له إلاَّ نزرٌ يسيرٌ حقيرٌ من دارٍ كلها لا تَعدِلُ جَناحَ بعوضةٍ:

مَنْ فَاتَهُ أَنْ يَراكَ يَومًا فَكُلُّ أوقاتِهِ فَواتُ

وحَيثُما كنتُ من بِلادٍ فَلِي إلى وَجْهِكَ التِفَاتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت