"المعجزة تكون للأنبياء، والكرامة للأولياء؛ أولياء الرحمن، والكهانة لأولياء الشيطان، والآن المعجزة لا يمكن أن تقع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء ولا يمكن أن تقع. والكرامة موجودة من قبل الرسول ومن بعد الرسول إلى يوم القيامة، تكون على يد ولي صالح، إذا عرفنا أن هذا الرجل الذي جاءت هذه الكرامة على يده هو رجل مستقيم قائم بحق الله وحق العباد عرفنا أنها كرامة. وينظر في الرجل فإذا جاءت هذه الكرامة من كاهن -يعني: من رجل غير مستقيم- عرفنا أنها من الشياطين، والشياطين تعين بني آدم لأغراضها أحيانًا، فربما يكون مثلًا من السحرة من تحمله الشياطين إلى مسافات بعيدة وترده: قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ [النمل:39] لسليمان: أَنَا آتِيكَ بِهِ [النمل:39] يعني: بعرش ملكة اليمن: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل:39] يجيبه من اليمن من أقصى الجنوب إلى الشام، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وكان معروف أنه يقوم من مقامه في ساعة معينة.اهـ"
البابُ الثاني
نصُّ الرسالة
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدِّمَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَسْتَعِينُهُ (1) وَنَسْتَغْفِرُهُ (2) وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا (3) وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّه (4) ُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ (5) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ (6) . وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (7) أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا (8) .
أَرْسَلَهُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ (9) بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (10)
(1) - أَيْ فِي حَمْده وَغَيْره وَهُوَ وَمَا بَعْده جُمَل مُسْتَأْنَفَة مُبَيِّنَة لِأَحْوَالِ الْحَامِدِينَ
(2) - أَيْ فِي تَقْصِير عِبَادَته وَتَأْخِير طَاعَته
(3) -: أَيْ مِنْ ظُهُور شُرُور أَخْلَاق نُفُوسنَا الرَّدِيَّة وَأَحْوَال طِبَاع أَهْوَائِنَا الدَّنِيَّة
(4) - قَالَ الْعُلَمَاء: لَفْظ الْهَدْي لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا: بِمَعْنَى الدَّلَالَة وَالْإِرْشَاد ، وَهُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَى الرُّسُل وَالْقُرْآن وَالْعِبَاد ، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: { وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } { إِنَّ هَذَا الْقُرْآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم وَيُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ } وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ } أَيْ بَيَّنَّا لَهُمْ الطَّرِيق ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل } وَ { هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } وَالثَّانِي: بِمَعْنَى اللُّطْف وَالتَّوْفِيق وَالْعِصْمَة وَالتَّأْيِيد ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ اللَّه بِهِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { إِنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَنْ يَشَاء } . وَقَالَتْ الْقَدَرِيَّة: حَيْثُ جَاءَ الْهُدَى فَهُوَ لِلْبَيَانِ بِنَاء عَلَى أَصْلهمْ الْفَاسِد فِي إِنْكَار الْقَدَر ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْحَقّ مُثْبِتِي الْقَدَر لِلَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَاَللَّه يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } فَفَرَّقَ بَيْن الدُّعَاء وَالْهِدَايَة .شرح النووي على مسلم - (ج 3 / ص 247)
(5) - أَيْ مِنْ شَيْطَان وَنَفْس وَغَيْرهمَا
(6) - أَيْ لَا مِنْ جِهَة الْعَقْل وَلَا مِنْ جِهَة النَّقْل وَلَا مِنْ وَلِيّ وَلَا نَبِيّ . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَضَافَ الشَّرّ إِلَى الْأَنْفُس أَوَّلًا كَسْبًا ، وَالْإِضْلَال إِلَى اللَّه تَعَالَى ثَانِيًا خَلْقًا وَتَقْدِيرًا
(7) - سنن ابن ماجه (1967 ) صحيح
قلت: وبغير هاتين الشهادين لا يكون المرء مسلمًا ، فلا بدَّ من النطق بهما حتى يدخل في الإسلام
(8) - من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (28) سورة الفتح
وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذَي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى ودَين الإِسْلامِ ، لِيَجْعَلَ الإِسْلامَ - وَهُوَ دِينُ الحَقِّ - ظَاهِرًا عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ في الأَرْضِ ، وَقَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ بِدُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ آمِنُونَ ، فحَققَ اللهُ ذَلِكَ الوَعْدَ ، وَسَيُحَققُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ بأنَّهُ تَعَالى سَيُظْهِرُ الإِسْلاَمَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ ، وَهُوَ تَعَالى شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبدًا .
(9) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ » . مسند أحمد (5233) وهو صحيح
(10) - لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} (46) سورة الأحزاب
يا أيها النبي إنَّا أرسلناك شاهدًا على أمتك بإبلاغهم الرسالة، ومبشرًا المؤمنين منهم بالرحمة والجنة، ونذيرًا للعصاة والمكذبين من النار، وداعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده بأمره إياك، وسراجًا منيرًا لمن استنار بك، فأمْرك ظاهر فيما جئتَ به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.