فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 322

.فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلاَمِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً ، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ . فَقَالَ كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلاَمٌ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً ، فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِى إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لِى « أَسَابَبْتَ فُلاَنًا » . قُلْتُ نَعَمْ . قَالَ « أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ » . قُلْتُ نَعَمْ . قَالَ « إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ » . قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِى هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ قَالَ « نَعَمْ ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ » (1) .

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « أَرْبَعٌ فِى أُمَّتِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لاَ يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِى الأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِى الأَنْسَابِ وَالاِسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ » . وَقَالَ « النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ » (2)

(1) - صحيح البخارى (6050 ) ومسلم (4403-4405)

شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 62)

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فِيك جَاهِلِيَّة ) أَيْ هَذَا التَّعْيِير مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، فَفِيك خُلُق مِنْ أَخْلَاقهمْ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُون فِيهِ شَيْء مِنْ أَخْلَاقهمْ ، فَفِيهِ النَّهْي عَنْ التَّعْيِير وَتَنْقِيص الْآبَاء وَالْأُمَّهَات ، وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة .

قَوْله: ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه ، مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) مَعْنَى كَلَام أَبِي ذَرّ: الِاعْتِذَار عَنْ سَبّه أُمّ ذَلِكَ الْإِنْسَان ، يَعْنِي أَنَّهُ سَبَّنِي ، وَمَنْ سَبَّ إِنْسَانًا سَبَّ ذَلِكَ الْإِنْسَان أَبَا السَّابّ وَأُمّه ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: هَذَا مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، وَإِنَّمَا يُبَاح لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَسُبّ السَّابّ نَفْسه بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ ، وَلَا يَتَعَرَّض لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ .

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( هُمْ إِخْوَانكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ )

الضَّمِير فِي ( هُمْ إِخْوَانكُمْ ) يَعُود إِلَى الْمَمَالِيك ، وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُل السَّيِّد ، وَإِلْبَاسهمْ مِمَّا يَلْبَس مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى الْإِيجَاب ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَّا فِعْل أَبِي ذَرّ فِي كِسْوَة غُلَامه مِثْل كِسْوَته فَعَمَلٌ بِالْمُسْتَحَبِّ ، وَإِنَّمَا يَجِب عَلَى السَّيِّد نَفَقَة الْمَمْلُوك وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْبُلْدَان وَالْأَشْخَاص ، سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْس نَفَقَة السَّيِّد وَلِبَاسه ، أَوْ دُونه ، أَوْ فَوْقه حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّد عَلَى نَفْسه تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَة أَمْثَاله إِمَّا زُهْدًا ، وَإِمَّا شُحًّا ، لَا يَحِلّ لَهُ التَّقْتِير عَلَى الْمَمْلُوك ، وَإِلْزَامه وَمُوَافَقَته إِلَّا بِرِضَاهُ ، وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُكَلِّفهُ مِنْ الْعَمَل مَا لَا يُطِيقهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِعَانَته بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ .

(2) - صحيح مسلم (2203 )

وفي فيض القدير - (ج 1 / ص 462) 913 - ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ) أي من أفعال أهلها: يعني أنها معاصي يأتونها مع اعتقاد حرمتها . والجاهلية: ما قبل البعثة سموا به لفرط جهلهم ( لا يتركونهن ) أي لا تترك أمتي شيئا من تلك الخصال الأربع . قال الطيبي: قوله في أمتي: خبر لأربع: أي خصال أربع كائنة في أمتي ومن أمر الجاهلية . ولا يتركونهن: حالان من الضمير المتحول إلى الجار والمجرور وهذا خرج مخرج الذم والتعييب لها فأولها ( الفخر في الأحساب ) أي الشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم وذلك جهل فلا فخر إلا بالطاعة ولا عز لأحد إلا بالله . والأحساب جمع حسب وهو ما يعده المرء من الخصال له أو لآبائه من نحو شجاعة وفصاحة والثاني ( الطعن في الأنساب ) أي الوقوع فيها بنحو ذم وعيب: بأن يقدح في نسب أحد من الناس فيقول ليس هو من ذرية فلان وذلك يحرم لأنه هجوم على الغيب ودخول فيما لا يعني والأنساب لا تعرف إلا من أهلها قال ابن عربي: وهذا أمر ينشأ من النفاسة في أنه لا يريد أن يرى أحدا كاملا وذلك لنقصانه في نفسه ولا يزال الناس يتطاعنون في الأنساب ويتلاعنون في الأديان ويتباينون في الأخلاق قسمة العليم الخلاق قال: ولا أعلم نسبا سلم من الطعن إلا نسب المصطفى صلى الله عليه و سلم والثالث ( الاستسقاء بالنجوم ) أي اعتقاد أن نزول المطر بظهور كذا وهو حرام لأنه إشراك ظاهر إذ لا فاعل إلا الله بل متى اعتقد أن للنجم تأثيرا كفر قال الحراني: فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بأنفسهم وغيرهم من الخلق مجوس هذه الأمة ( و ) الرابع ( النياحة ) أي رفع الصوت بالندب على الميت لأنها سخط لقضاء الله ومعارضة لأحكامه . قال ابن العربي: هذه من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الأنبياء فإنهم أخبر بما يكون قبل كونه فظهر حقا فالأربع محرمات ومع حرمتها لا يتركونها هذه الأمة - أي أكثرهم - مع العلم بحرمتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت