ومما لبّس به الشيطان على كثير من الناس أن أجرى أمورًا خارقة للعادة وخارجة عن المألوف على أيدي من يسمونهم أولياء وما هم بأولياء، ونسي أولئك الجهلة أو تناسوا أنه لا يشترط في الولي أن يكون له كرامات أو أمور خارقة للعادة. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله:"وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المتقرّبون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له الذين لا يشركون بالله شيئًا، وإن لم تجر على أيديهم خوارق، فإن كانت الخوارق دليلًا على ولاية الله فلتكن دليلًا على ولاية الساحر والكاهن والمنجّم والمُتَفَرِّس ورهبان اليهود والنصارى وعُبّاد الأصنام، فإنهم يجري لهم من الخوارق ألوف، ولكن هي من قبل الشياطين، فإنهم يتنزلون عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال والأقوال، كما قال تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [الشعراء:221، 222] ، وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف:36] . وتجد عمدة كثير من الناس في اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أحيانًا، أو يمشي على الماء، أو يملأ إبريقًا من الهواء، أو يخبر في بعض الأوقات بشيء من الغيب، أو يختفي أحيانًا عن أعين الناس، أو يخبر بعض الناس بما سرق له أو بحال غائب أو مريض، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته أو نحو ذلك، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها مسلم فضلًا عن أن يكون وليًا لله، (1) بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله وموافقته لأمره ونهيه. ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليًا لله، وقد يكون عدوًا له، فإنها قد تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، وتكون لهؤلاء من قبل الشياطين، أو تكون استدراجًا، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور فهو ولي لله، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، وأكثر هذه الأمور قد توجد في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي المكتوبة، ولا يتنظف ولا يتطهر الطهارة الشرعية، بل يكون مُلابِسًا للنجاسات، معاشرًا للكلاب، يأوي إلى المزابل، رائحته خبيثة، رَكّابًا للفواحش، يمشي في الأسواق كاشفًا لعورته، غامزًا للشرع مستهزئًا به وبحملته، يأكل العقارب والخبائث التي تحبها الشياطين، كافرًا بالله، ساجدًا لغير الله من القبور وغيرها، يكره سماع القرآن وينفر منه، ويؤثر سماع الأغاني والأشعار ومزامير الشيطان على كلام الرحمن، فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا عساه أن يجري فلا يكون وليًا لله محبوبًا عنده حتى يكون متبعًا لرسوله باطنًا وظاهرًا"اهـ. (2)
وقال في شرح العقيدة الطحاوية (3) :"فَلَا طَرِيقَةَ إِلَّا طَرِيقَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا حَقِيقَةَ إِلَّا حَقِيقَتُهُ ، وَلَا شَرِيعَةَ إِلَّا شَرِيعَتُهُ ، وَلَا عَقِيدَةَ إِلَّا عَقِيدَتُهُ ، وَلَا يَصِلُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ بَعْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ إِلَّا بِمُتَابَعَتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ."
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُصَدِّقًا فِيمَا أَخْبَرَ ، مُلْتَزِمًا لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ ، فِي الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ ، وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَلَى الْأَبَدَانِ -: لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ ، وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ ، وَأَنْفَقَ مِنَ الْغَيْبِ ، وَأَخْرَجَ الذَّهَبَ مِنَ الْخَشَبِ ، وَلَوْ حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ مَاذَا عَسَى أَنْ يَحْصُلَ !! فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ، مَعَ تَرْكِهِ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ وَعَمْلِ الْمَحْظُورِ - إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ ، الْمُبْعِدَةِ لِصَاحِبِهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، الْمُقَرِّبَةِ إِلَى سُخْطِهِ وَعَذَابِهِ . لَكِنْ مَنْ لَيْسَ يُكَلَّفُ مِنَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ ، قَدْ رُفِعَ عَنْهُمُ الْقَلَمُ ، فَلَا يُعَاقَبُونَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا مَا يَكُونُونَ بِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ ،وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ . لَكِنْ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } (الطُّورِ: 21 ) .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 213)
(2) - انظر أولياء الرحمن وأولياء الشيطان - (ج 1 / ص 46)
(3) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 3 / ص 248) فما بعد