وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (1) (5) سورة الأحزاب. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » . قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (2)
(1) - يَنْسَخُ اللهُ تَعالى في هذهِ الآيةِ حُكْم التَّبَنِّي الذِيْ كَانَ مَعْمُولًا بهِ في الجاهليةِ ، فقدْ كانَ التَّبَنِّي جَائزًا وظَلَّ حُكْمُ التَّبَنِّي سَاريًا في ابْتِدَاءِ أَمْرِ الإِسْلامِ ، فكانَ الرَّجُلُ يتبنَّى وَلَدَ غيرِهِ ، فَيُصْبِحُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَلَدِ مِنَ الصُّلْبِ ، في أمورِ النَّسَبِ والمِيراثِ . . . ولكنَّ اللهَ تَعَالى نَسَخَ حُكْمَ التَّبَنِّي في هذهِ الآيةِ . وأمَرَ المؤمنينَ بِرَدِّ نِسْبَةِ الأدْعِيَاءِ ( الأَولادِ بالتَّبَنِّي ) إلى آبائِهِمْ الحَقِيقِيِّينَ ، لأنَّ هذَا هُوَ العَدْلُ والقِسْطُ والبِرُّ .
( فَعَلَيْهِمْ أَن يَقُولُوا زَيْدُ بنُ حَارِثَة لا زَيْدُ بنُ محمدٍ ) ، أمَّا إذا كَانَ الولدُ المُتَبَنَّى لا يُعرَفُ أبُوه لِيُنْسَبَ إليهِ ، فَعَلى المؤمنينَ أنْ يَعُدُّوا هؤلاءِ الأدْعياءِ إخْوَانًا لَهُمْ في الدِّينِ - إنْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوا في الإِسْلامِ - وأنْ يَعُدُّوهُمْ موالِيَهُمْ إن كانُوا مُحَرَّرِينَ ( فيُقَالُ سَالِمُ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ ) .
وَلاَ حَرَجَ على المُؤْمِنِين فيما اخْطَؤُوا فيهِ من نِسْبَةِ بَعْضِ هؤُلاءِ الأَدْعياءِ إلى غَيْرِ آبَائِهِمْ ، بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الجهْدِ في البَحْثِ والاسْتِقْصَاءِ ، أو فيما يَسْبِقُهُمْ بهِ لِسَانُهُمْ ، ولكنَّ الحَرَجَ والإِثمَ والمُؤاخَذَةَ تَقَعُ على منْ يَفْعَلُونَهُ مُتَعَمِّدينَ بهِ الباطِلَ ، واللهُ غفورٌ لذَنْبِ مَنْ تَابَ أو أخْطَأ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وهو رحيمٌ بهِ فَلا يُعاقِبُهُ مِنْ بَعْدِ التًَّوْبَةِ .
(2) - صحيح البخارى (7352 ) ومسلم (4584 )
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 148)
قَالَ الْعُلَمَاء: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث فِي حَاكِم عَالِم أَهْل لِلْحُكْمِ ، فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ ، وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ .
وَفِي الْحَدِيث مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذَا أَرَادَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ ، قَالُوا: فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلَا يَحِلّ لَهُ الْحُكْم ، فَإِنْ حَكَمَ فَلَا أَجْر لَهُ بَلْ هُوَ آثِمٌ ، وَلَا يَنْفُذ حُكْمه ، سَوَاء وَافَقَ الْحَقّ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ إِصَابَته اِتِّفَاقِيَّة لَيْسَتْ صَادِرَة عَنْ أَصْل شَرْعِيّ فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيع أَحْكَامه ، سَوَاء وَافَقَ الصَّوَاب أَمْ لَا ، وَهِيَ مَرْدُودَة كُلّهَا ، وَلَا يُعْذَر فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث فِي السُّنَن"الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضٍ فِي الْجَنَّة ، وَاثْنَانِ فِي النَّار ، قَاضٍ عَرَفَ الْحَقّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّة ، وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقّ فَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّار ، وَقَاضٍ قَضَى عَلَى جَهْل فَهُوَ فِي النَّار"، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب أَمْ الْمُصِيب وَاحِد ، وَهُوَ مَنْ وَافَقَ الْحُكْم الَّذِي عِنْد اللَّه تَعَالَى وَالْآخَر مُخْطِئ لَا إِثْم عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ ؟ وَالْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه أَنَّ الْمُصِيب وَاحِد ، وَقَدْ اِحْتَجَّتْ الطَّائِفَتَانِ بِهَذَا الْحَدِيث ، وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ الْقَائِلُونَ: ( كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب ) فَقَالُوا: قَدْ جُعِلَ لِلْمُجْتَهِدِ أَجْر فَلَوْلَا إِصَابَته لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْر ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَالُوا: سَمَّاهُ مُخْطِئًا ، لَوْ كَانَ مُصِيبًا لَمْ يُسَمِّهِ مُخْطِئًا ، وَأَمَّا الْأَجْر فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ عَلَى تَعَبه فِي الِاجْتِهَاد ، قَالَ الْأَوَّلُونَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ مُخْطِئًا لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ أَخْطَأَ النَّصّ أَوْ اِجْتَهَدَ فِيمَا لَا يَسُوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَغَيْره ، وَهَذَا الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ فِي الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع ، فَأَمَّا أُصُول التَّوْحِيد فَالْمُصِيب فِيهَا وَاحِد بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ ، وَلَمْ يُخَالِف إِلَّا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن الْعَبْتَرِيّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ فَصَوَّبَا الْمُجْتَهِدِينَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ الْعُلَمَاء: الظَّاهِر أَنَّهُمَا أَرَادَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُون الْكُفَّار . وَاللَّهُ أَعْلَم .