فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 322

وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: اقْتَرِبُوا مِنْ أَفْوَاهِ الْمُطِيعِينَ وَاسْمَعُوا مِنْهُمْ مَا يَقُولُونَ فَإِنَّهُ تَتَجَلَّى لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ (1) . وَهَذِهِ الْأُمُورُ الصَّادِقَةُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَتَجَلَّى لِلْمُطِيعِينَ هِيَ الْأُمُورُ الَّتِي يَكْشِفُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ .

فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ مُخَاطَبَاتٍ وَمُكَاشَفَاتٍ ؛ فَأَفْضَلُ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ (2) .

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ تَعْيِينُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مُحَدَّثٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَأَيُّ مُحَدَّثٍ وَمُخَاطَبٍ فُرِضَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُمَرُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَيَعْرِضُ مَا يَقَعُ لَهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَارَةً يُوَافِقُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ كَمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ (3)

(1) - عن عمر قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله واعقلوا ما تسمعون منهم فإنهم تجلى لهم أمور صادقة (سعيد بن منصور ، والمروزى في الجنائز) [كنز العمال 42805] وجامع الأحاديث - (ج 28 / ص 319) (31223)

(2) - عَنْ وَهْبٍ السُّوَائِىِّ قَالَ خَطَبَنَا عَلِىٌّ فَقَالَ مَنْ خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا فَقُلْتُ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ لاَ خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ وَمَا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. مسند أحمد (846) صحيح

(3) - عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ وَافَقْتُ رَبِّى فِى ثَلاَثٍ وَوَافَقَنِى رَبِّى فِى ثَلاَثٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ وَبَلَغَنِى مُعَاتَبَةُ النَّبِىِّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَعْضَ نِسَائِهِ قَالَ فَاسْتَقْرَيْتُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَجَعَلْتُ أَسْتَقْرِيهِنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَاللَّهِ لَئِنِ انْتَهَيْتُنَّ وَإِلاَّ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ قَالَ فَأَتَيْتُ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ قَالَتْ يَا عُمَرُ أَمَا فِى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تَعِظُهُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ) . صحيح البخاري (387 ) ومسند أحمد (256)

وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 119)

قَوْله: ( وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث ) أَيْ وَقَائِع ، وَالْمَعْنَى وَافَقَنِي رَبِّي فَأَنْزَلَ الْقُرْآن عَلَى وَفْق مَا رَأَيْت ، لَكِنْ لِرِعَايَةِ الْأَدَب أَسْنَدَ الْمُوَافَقَة إِلَى نَفْسه ، أَوْ أَشَارَ بِهِ إِلَى حُدُوث رَأْيه وَقِدَم الْحُكْم ، وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصه الْعَدَد بِالثَّلَاثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَة عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الْمُوَافَقَة فِي أَشْيَاء غَيْر هَذِهِ مِنْ مَشْهُورهَا قِصَّة أُسَارَى بَدْر وَقِصَّة الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَهُمَا فِي الصَّحِيح ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ"مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْر قَطّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَر إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآن فِيهِ عَلَى نَحْو مَا قَالَ عُمَر"وَهَذَا دَالٌّ عَلَى كَثْرَة مُوَافَقَته ، وَأَكْثَر مَا وَقَفْنَا مِنْهَا بِالتَّعْيِينِ عَلَى خَمْسَة عَشَر لَكِنْ ذَلِكَ بِحَسَب الْمَنْقُول ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَقَام إِبْرَاهِيم ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى مَسْأَلَة الْحِجَاب فِي تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب ، وَعَلَى مَسْأَلَة التَّخْيِير فِي تَفْسِير سُورَة التَّحْرِيم ، وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة"وَاجْتَمَعَ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَة عَلَيْهِ فَقُلْت لَهُنَّ: عَسَى رَبّه إِلَخْ"وَذَكَرَ فِيهِ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة زِيَادَة يَأْتِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي بَاب عِشْرَة النِّسَاء فِي أَوَاخِر النِّكَاح . وَقَالَ بَعْضهمْ: كَانَ اللَّائِق إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب الْمَاضِي وَهُوَ قَوْله: ( وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وَالْجَوَاب أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى حَدِيث اِبْن عُمَر لِلتَّنْصِيصِ فِيهِ عَلَى وُقُوع ذَلِكَ مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ حَدِيث عُمَر هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِذَلِكَ ، وَأَمَّا مُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ فَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّرْجَمَة مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا ، فَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ فَسَّرَ مَقَام إِبْرَاهِيم بِالْكَعْبَةِ فَظَاهِر ، أَوْ بِالْحَرَمِ كُلّه فَمِنْ فِي قَوْله: ( مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيم ) لِلتَّبْعِيضِ ، وَمُصَلًّى أَيْ قِبْلَة ، أَوْ بِالْحَجَرِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْأَظْهَر فَيَكُون تَعَلُّقه بِالْمُتَعَلِّقِ بِالْقِبْلَةِ لَا بِنَفْسِ الْقِبْلَة ، وَقَالَ اِبْن رَشِيد: الَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ تَعَلُّق الْحَدِيث بِالتَّرْجَمَةِ الْإِشَارَة إِلَى مَوْضِع الِاجْتِهَاد فِي الْقِبْلَة ؛ لِأَنَّ عُمَر اِجْتَهَدَ فِي أَنْ اِخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمُصَلَّى إِلَى مَقَام إِبْرَاهِيم الَّذِي هُوَ فِي وَجْه الْكَعْبَة فَاخْتَارَ إِحْدَى جِهَات الْقِبْلَة بِالِاجْتِهَادِ ، وَحَصَلَتْ مُوَافَقَته عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى تَصْوِيب اِجْتِهَاد الْمُجْتَهِد إِذَا بَذَلَ وُسْعه وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت