فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 322

[الأحزاب/66-69] ، وقَوْله تَعَالَى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) (1) } البقرة/165-168]. وَهَؤُلَاءِ مُشَابِهُونَ لِلنَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2) (31) سورة التوبة ،وَفِي الْمَسْنَدِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِى عُنُقِى صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: « يَا عَدِىُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ » . وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ » (3)

(1) - وَمَعَ قِيَامِ الأَدِلَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ الكُفَّارِ يَتَّخِذُونَ للهِ شُرَكَاءَ وَأَمْثَالًا ( أَنْدَادًا ) يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ ، وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ ، وَهُوَ اللهُ الذِي لاَ مَثِيلَ لَهُ ، وَلاَ شَرِيكَ مَعَهُ . أَمَّا الذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُم يَعْبُدُونَ اللهُ وَحْدَهُ ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، وَيُحِبُّونَهُ وَحْدَهُ ، وَهُمْ أَشَدُّ حُبًَا للهِ مِنْ أَيِّ شَيءٍ آخَرَ . وَحِينَ يَرَى المُشْرِكُونَ العَذَابَ الشَّديدَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالكُفَّارِ ، فَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الأَسْبَابُ ، وَلاَ تُغْنِي عَنْهُم الأَنْدَادُ ، يُدْرِكُونَ حِينَئِذٍ أنَّ القُوَّةَ جَميعَهَا للهِ ، وَأَنَّ الحُكْمَ لَهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ .

وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَتَبَرَّأُ الذِينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونَ اللهِ - المَلائِكَةُ وَالجِنُّ وَالبَشَرُ - كَمَا يَتَبَرَّأُ الرُّؤَسَاءُ المُضِلُّونَ الذِينَ اتَّبَعَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالأَعْوَانُ ، مِنْ أَتْبَاعِهِم الذِينَ أَغْوَوْهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ إِضْلاَلِهِمْ لأَنَّهُمْ قَدْ تَضَاعَفَ عَذَابُهُمْ ، وَحَمْلُهُمْ أَوْزَارًا فَوْقَ أَوْزَارِهِمْ ، وَتَتَقَطَّعُ الرَّوَابِطُ وَالصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا ، وَيَصِيرُ بَعْضُهُم عَدُوًّا لِبَعْضٍ .

تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ - تَصَرَّمَتِ الصِّلاَتُ التِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنيا مِنْ نَسَبٍ وَصَدَاقَةٍ .

وَيَقُولُ التَّابِعُونَ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلاَلٍ: لَوْ أَنَّ لَنَا رَجْعَةً إِلََى الدَّارِ الدُّنيا لِنَتَبَرَأَ مِنْ هؤُلاءِ ، وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ ، فَلاَ نَلْتَفِتَ إِلَيهِمْ ، بَلْ نُوَحِّدُ الله ، وَنَهْتَدِي بِهَدْيِهِ . وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هذا القَوْلِ ، إِذْ أَنَّهُمْ لوْ عَادُوا إِلى الدُّنيا لَعَادُوا إِلى مَا نُهُوا عَنْهُ . وَكَمَا أَرَاهُمُ الله العَذَابَ ، كَذلِكَ سَيُرِيهِمْ أَعْمَالَهُمْ تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ فَيَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ ، وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ، لأَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ، وَلَنْ يَعُودُوا إِلى الدُّنيا .

(2) - اتَّخَذَ أَهْلُ الكِتَابِ ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كِبَارَ رِجَالِ دِينِهِمْ أَرْبَابًا وَمُشَرِّعِينَ ، فَأحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَهَذِهِ المُتَابَعَةُ هِيَ المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا } ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ للهِ وَلَدًا عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ ، كَعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ ، لاَ إِلهَ غَيْرُ اللهِ ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدْ وَالصَّاحِبَةِ ، وَعَنِ النُّظَرَاءَ وَالأَعْوَانِ ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ .

وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ .

(3) - سنن الترمذى (3378 ) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 13 / ص 245) (34930) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 116) (و20847 و20848) حسن لغيره

قَالَ فِي فَتْحِ الْبَيَانِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَزْجُرُ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، عَنْ التَّقْلِيدِ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَتَأْثِيرِ مَا يَقُولُهُ الْأَسْلَافُ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، فَإِنَّ طَاعَةَ الْمُتَمَذْهِبِ لِمَنْ يَقْتَدِي بِقَوْلِهِ وَيَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، مَعَ مُخَالَفَته لِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَقَامَتْ بِهِ حِجَجُ اللَّهِ وَبَرَاهِينُهُ هُوَ كَاِتِّخَاذِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُمْ بَلْ أَطَاعُوهُمْ وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا وَحَلَّلُوا مَا حَلَّلُوا ، وَهَذَا هُوَ صَنِيعُ الْمُقَلِّدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ شَبَهِ الْبَيْضَةِ بِالْبَيْضَةِ ، وَالتَّمْرَةِ بِالتَّمْرَةِ ، وَالْمَاءِ بِالْمَاءِ . فَيَا عِبَادَ اللَّهِ مَا بَالُكُمْ تَرَكْتُمْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ جَانِبًا وَعَمَدْتُمْ إِلَى رِجَالٍ هُمْ مِثْلُكُمْ فِي تَعَبُّدِ اللَّهِ لَهُمْ بِهِمَا ، وَطَلَبِهِ لِلْعَمَلِ مِنْهُمْ بِمَا دَلَّا عَلَيْهِ وَأَفَادَاهُ فَعَمِلْتُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْآرَاءِ الَّتِي لَمْ تُعْمَدْ بِعِمَادِ الْحَقِّ ، وَلَمْ تُعْضَدْ بِعَضُدِ الدِّينِ وَنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، تُنَادِي بِأَبْلَغِ نِدَاءٍ ، وَتُصَوِّتُ بِأَعْلَى صَوْتٍ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيُبَايِنُهُ ، فَأَعَرْتُمُوهَا آذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا ، وَأَذْهَانًا كَلِيلَةً ، وَخَوَاطِرَ عَلِيلَةً ، وَأَنْشَدْتُمْ بِلِسَانِ الْحَالِ: وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ غَوَيْت وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدُ اِنْتَهَى . وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ شَيْخُنَا وَمَوْلَانَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ شَاهَدْت جَمَاعَةً مِنْ مُقَلِّدَةِ الْفُقَهَاءِ قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَكَانَتْ مَذَاهِبُهُمْ بِخِلَافِ تِلْكَ الْآيَاتِ ، فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الْآيَاتِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا وَبَقَوْا يَنْظُرُونَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ ، يَعْنِي كَيْفَ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ سَلَفِنَا وَرَدَتْ إِلَى خِلَافِهَا ، وَلَوْ تَأَمَّلْت حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْت هَذَا الدَّاءَ سَارِيًا فِي عُرُوقِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا اِنْتَهَى .تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 418)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت