فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 322

[الفتح/1-4] ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ: نَعَمْ (1)

(1) - عن أبي وَائِلَ قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَقَالَ « بَلَى » . فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِى النَّارِ قَالَ « بَلَى » . قَالَ فَعَلَى مَا نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ « ابْنَ الْخَطَّابِ ، إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِى اللَّهُ أَبَدًا » . فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا . فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا . فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ « نَعَمْ » . صحيح البخارى (3182 ) ومسلم (4733 )

شرح ابن بطال - (ج 9 / ص 446)

قال المهلب: قوله: « اتهموا رأيكم » يعنى: في هذا القتال، يعظ الفريقين؛ لأن كل فريق منهم يقاتل على رأى يراه، واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا رأيكم فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم براى رأيتموه، فلو كان الرأى يقضى به لقضيت يوم أبى جندل برد أمر النبى يوم الحديبية، حين قاضى أهل مكة أن يرد إليهم من فر إلى النبى من المسلمين، فحرج أبو جندل يستغيب يجر قيوده، وكان قد عذب على الإسلام. فقال سهيل، والد أبى جندل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه. فرد إليه أبا جندل، وهو ينادى: أتردوننى إلى المشركين وأنا مسلم، وترون ما لقيت من العذاب في الله؟ !

وقام سهيل إلى ابنه بحجر فكسر فمه، ففارت نفوس المسلمين حينئذ، وقال عمر: لسنا على الحق؟ ولذلك قال سهل ولو أستطيع أن أرد أمر النبى لرددته.

وقوله: « فما وضعنا سيوفنا » يعنى: ما جردناها في الله لأمر فظيع علينا عظيم إلا أسهلت بنا سيوفنا، أقضته بنا إلى أسهل من أمرنا، غير هذا الأمر، يعنى: أمر الفتن التى وقعت بين المسلمين في صدر الإسلام؛ فإنها [] لم تتبين السيوف فيها الحقيقة بل حلت المصيبة بقتل المسلمين، فنزع السيف أول من سله في الفتنة.

وغرض البخارى في هذا الباب: أن يعرفك أن الصبر على المفاتن، والصلة للمقاطع أقطع للفتنة وأحمد عاقبة، فكأنه قال: باب الصبر على أذى المفاتنين وعاقبة الصابرين. ألا ترى أن النبى أحذ يوم الحدبيية في قتال المشركين بالصبر لهم، والوقوع تحت الدنية التى ظنها عمر في الدين؟ وكان ذلك الصبر واللين الذى فهمه رسول الله عن ربه في بروك الناقة عن توجيهها إلى مكة أفضل عاقبة في الدنيا والآخرة من القتال لهم، وفتح مكة على ذلك الحنق الذى قال المسلمين من تحكمهم على النبى، فكان عاقبة صبر النبى ولينه لهم أن أدخلهم الله الإسلام، وأوجب لهم أجرهم في الآخرة.

ألا ترى قوله: « لأن يهدى الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم » فكيف بأهل مكة أجمعين، وهم الذين كانوا أئمة العرب وسادة الناس، وبدخولهم دخلت العرب في دين الله أفواجًا.

وفيه من الفقة: أن صلة المقاطع أنجع في سياسة النفوس، وأحمد عاقبة، وعلى مثل هذا المعنى دل حديث أسماء في صلة أمها وهى مشركة.

قال الطبرى: وفى حديث سهل بن حنيف الدلالة البينة أن رسول الله كان يدير كثيرًا من حروبه بحسب ما يحضره من الرأى مما الأغلب عنده أنه الصواب، وإن كان الله - تعالى - قد كان عهد إليه في جواز الصلح في مثل الحال التى صالحهم عليها عهدًا، فمن ذلك الرأى كان، لولا ذلك كان عمر وسهل بن حنيف ومن كان ينكر الصلح ويرى قتال القوم أصلح في التدبير والرأى لينكروا ذلك، ويؤثروا آراءهم بالقتال على تركة لو كان عندهم آية من أمر الله - تعالى - نبيه، ولكنه كان عندهم أنه رأى من النبى وإبقاء على من معه من الصحابة؛ لقلة عددهم، وكثرة عدد المشركين، وكان عمر والذين يرون قتال القوم لحسن تصابرهم وجميل نياتهم في الإسلام إذ كانوا أهل الحق، والمشركون أهل الباطل يرون أن الحق لن يعلوه باطل، لا سيما عدد: الله وليهم ورسوله، فأيدهم، فعظم بذلك عليهم الانحطاط في الصلح، ورأوه وهنا في الدين، وكان رسول الله أعلم بما يؤدى إليه عاقبة ذلك الصلح منهم مما هو أجدى على الإسلام وأهله نفعًا، وأن الله أوحى إليه الأمر بترك قتال القوم؛ لأن ذلك أسد في الرأي.

وفيه الدلالة الواضحة على أن لأهل العلم الاجتهاد في النوازل في دينهم فيما لا نص فيه من كتاب الله ولا سنة. وذلك أن الذين أنكروا الصلح يوم أبى جندل أنكروه اجتهادًا منهم، ورسوله الله بحضرتهم يعلم ذلك من أمرهم، فلم ينههم عن القول بما أدى إليه اجتهادهم، وإن كان قد عرفهم خطأ رأيهم في ذلك، وصواب رأيه، ولو كان الاجتهاد خطأ لكان حريا عليه - - صلى الله عليه وسلم - - أن يتقدم إليهم بالنهى عن القول بما أداهم إليه اجتهادهم أشد النهي.

وفيه أيضًا: أن المجتهد عند نفسه مما يدرك بالاستنباط لا تبعة عليه فيما بينه وبين الله خطأ، إن كان منه في اجتهاده، إذا كان اجتهاده على أصل، وكان من أهله؛ لأن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - لم يؤثم عمر ومن أنكر الصلح، والمعانى التى جرت بينهم في كتاب الصلح مما كان خلافًا لرأى رسول الله، ولو كانوا في ذلك مذنبين لأمرهم النبى بالتوبة، ولكنهم كانوا على اجتهادهم مأجورين، وإن كان الصواب فيما رأى رسول الله، وذلك نظير قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر » وستأتى زيادة في هذا المعنى في كتاب: الاعتصام - إن شاء الله.

وقال أبو الحسن بن القابسى: وقول عمر: أليس قتلادهم في النار؟

فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ هذه المراجعة هى التى قال فيها عمر في حديث مالك: نزرت رسول الله كل ذلك لا يجيبك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت