فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 322

،وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ"كِتَابِ الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ" (1)

(1) - وفي سير أعلام النبلاء: (23/49-50

34 -ابْنُ العَرَبِيِّ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الطَّائِيُّ العَلاَّمَةُ، صَاحِبُ التَّوَالِيفِ الكَثِيْرَةِ، مُحْيِي الدِّيْنِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الطَّائِيُّ، الحَاتِمِيُّ، المُرْسِيُّ، ابْنُ العَرَبِيِّ، نَزِيْلُ دِمَشْقَ. ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنِ: ابْنِ بَشْكُوَالَ، وَابْنِ صَافٍ.

وَسَمِعَ بِمَكَّةَ مِنْ: زَاهِرِ ابْنِ رُسْتُمٍ، وَبِدِمَشْقَ مِنِ: ابْنِ الحَرَسْتَانِيّ، وَبِبَغْدَادَ.

وَسكنَ الرُّوْمَ مُدَّةً، وَكَانَ ذَكِيًّا، كَثِيْرَ العِلْمِ، كَتَبَ الإِنشَاءَ لبَعْضِ الأُمَرَاءِ بِالمَغْرِبِ، ثُمَّ تَزَهَّدَ وَتَفَرَّدَ، وَتَعَبَّدَ وَتَوَحَّدَ، وَسَافَرَ وَتَجَرَّدَ، وَأَتْهَمَ وَأَنْجَدَ، وَعَمِلَ الخَلَوَاتِ، وَعلَّقَ شَيْئًا كَثِيْرًا فِي تَصَوُّفِ أَهْلِ الوحدَةِ.

وَمِنْ أَرْدَإِ تَوَالِيفِهِ كِتَابُ (الفُصُوْصِ) ، فَإِنْ كَانَ لاَ كُفْرَ فِيْهِ، فَمَا فِي الدُّنْيَا كُفْرٌ، نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالنَّجَاةَ، فَوَاغَوْثَاهُ بِاللهِ!

وَقَدْ عَظَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَكَلَّفُوا لِمَا صَدَرَ مِنْهُ بِبَعيدِ الاحْتِمَالاَتِ، وَقَدْ حَكَى العَلاَّمَةُ ابْنُ دَقِيقِ العِيْدِ شَيْخُنَا، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّيْنِ ابْنَ عَبْدِ السَّلاَمِ يَقُوْلُ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ: شَيْخُ سُوءٍ، كَذَّابٌ، يَقُوْلُ بِقِدَمِ العَالِمِ، وَلاَ يُحَرِّمُ فَرْجًا.

قُلْتُ: إِنْ كَانَ مُحْيِي الدِّيْنِ رَجَعَ عَنْ مَقَالاَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ المَوْتِ، فَقَدْ فَازَ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيْزٍ.

تُوُفِّيَ: فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ. وَقَدْ أَوْرَدْتُ عَنْهُ فِي (التَّارِيْخِ الكَبِيْرِ) .

وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ، وَعِلمٌ وَاسِعٌ، وَذهنٌ وَقَّادٌ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ كَثِيْرًا مِنْ عِبَارَاتِهِ لَهُ تَأْوِيْلٌ إِلاَّ كِتَابَ (الفُصُوْصِ) !

وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنَ رَافِعٍ: أَنَّهُ رَأَى بِخَطِّ فَتحِ الدِّيْنِ اليَعْمُرِي: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ دَقِيقِ العِيْدِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الشَّيْخ عِزَّ الدِّيْنِ، وَجَرَى ذِكْرُ ابْنِ العَرَبِيِّ الطَّائِيِّ فَقَالَ: هُوَ شَيْخُ سُوءٍ مَقْبُوْحٌ كَذَّابٌ.

وفي ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 659)

7984 - محمد بن على بن محمد الحاتمى الطائى الاندلسي.

صاحب كتاب فصوص الحكم.

مات سنة ثمان وثلاثين ، ورأيته قد حدث عن أبي الحسن بن هذيل بالاجازة، وفي النفس من ذلك [ شئ ] .

سمع منه التيسير لابي عمرو الدانى شيخنا محمد بن أبي الذكر الصقلى المطرز بسماعه من أبي بكر بن أبي جمرة، وبإجازته من ابن هذيل.

وروى الحديث عن جماعة.

[ ونقل رفيقنا أبو الفتح اليعمرى وكان متثبتا، قال: سمعت الامام تقي الدين ابن دقيق العيد يقول: سمعت شخينا أبا محمد بن عبد السلام السلمى يقول: وجرى

ذكر أبي عبدالله بن العربي الطائي - فقال: هو شيعي سوء كذاب.

فقلت له: وكذاب أيضا ؟ قال: نعم، تذاكرنا بدمشق التزويج بالجن، فقال: هذا محال، لان الانس جسم كثيف والجن روح لطيف، ولن يعلق الجسم الكثيف الروح اللطيف.

ثم بعد قليل رأيته وبه شجة، فقال: تزوجت جنية فرزقت منها ثلاثة أولاد، فاتفق يوما أنى أغضبتها فضربتني بعظم حصلت منه هذه الشجة، وانصرفت، فلم أرها بعد هذا...أو معناه.

قلت: نقله لي بحروفه ابن رافع من خط أبي الفتح، وما عندي أن محيى الدين تعمد كذبا، لكن أثرت فيه تلك الخلوات والجوع فسادا وخيالا وطرف جنون ]وصنف التصانيف في تصوف الفلاسقة وأهل الوحدة، فقال أشياء منكرة،عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة، وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين، وعدها طائفة من متشابه القول، وأن ظاهرها كفر وضلال، وباطنها حق وعرفان، وأنه صحيح في نفسه كبير القدر.

وآخرون يقولون: قد قال هذا الباطل والضلال، فمن الذي قال إنه مات عليه، فالظاهر عندهم من حاله أنه رجع وأناب إلى الله، فإنه كان عالما بالآثار والسنن، قوى المشاركة في العلوم.

وقولى أنا فيه: إنه يجوز أن يكون من أولياء الله الذين اجتذبهم الحق إلى جنابه عند الموت، وختم له بالحسنى، فأما كلامه فمن فهمه وعرفه على قواعد الاتحادية وعلم محط القوم، وجمع بين أطراف عباراتهم - تبين له الحق في خلاف قولهم.

وكذلك من أمعن النظر في فصوص الحكم، أو أنعم التأمل لاح له العجب، فإن

الذكى إذا تأمل من ذلك الاقوال والنظائر والاشباه فهو أحد رجلين: إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر.

نسأل الله العفو، وأن يكتب الايمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة.

فو الله لان يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئا سوى سور من القرآن يصلى بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر - خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة.

ونقله الحافظ في لسان الميزان - (ج 2 / ص 449) وقال عقبه:

وأول كلامه لا يتحصل منه شيء تفرد به وينظر في قوله أمعن النظر وأنعم التأمل الفرق بينهما وقد اعتد بالمحيي بن عربي أهل عصره فذكره ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد وابن نقطة في تكملة الإكمال وابن العديم في تاريخ حلب والذكي المنذري في الوفيات وما رأيت في كلامهم تعديًا من الطعن كأنهم ما عرفوها أو ما اشتهر كتابه الفصوص نعم قال ابن نقطة: لا يعجبني شعره وأنشد له قصيدة منها:

لقد حار قلبي قابلًا كل صورةٍ ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأصنام وكعبة طائفٍ ... وألواح توراة ومصحف قرآن

وهذا على قاعدته في الوحدة وقد كتب بخطه في إجازته للملك المظفر غازي بن العادل أنه قرأ القرآن بالسبع على أبي بكر محمد بن خلف بن حاف اللخمي وأخذ عنه الكتابة لمحمد بن شريح وحدث به عن شريح بن محمد عن أبيه وقرأ أيضًا على عبد الرحمن بن عال الشراط القرطبي وسمع على أبي عبد الله الهادي قاضي فاس التبصرة في القراءات لمكي وحدثه به عن أبي بحر بن القاضي وسمع التيسير على أبي بكر بن أبي حمزة عن أبيه عن المؤلف وأنه سمع على محمد بن سعيد بن زرقون وعبد الحق بن عبد الرحمن الأشبيلي وأنه سمع أيضًا علي بن الخراساني ويونس بن يحيى الهاشمي ومعين بن أبي الفتوح وجمع كثير وأنه أجاز له السلفي وابن عساكر وابن الجوزي وأنه صنف كتبًا كثيرة منها ما هو كراسة واحدة ومنها ما هو مائة مجلد وما بينهما. وذكر منها التفصيل في أسرار معاني التنزيل فرغ منه إلى قصة موسى في سورة الكهف أربعة وستون سفرًا وسرق منها شيء كثير جدًا. وقال ابن الأبار: هو من إشبيلية وأصله من سبتة وأخذ عن مشيخة بلده ومال إلى الأدب وكتب لبعض الولاة ثم ترك ذلك ورحل إلى المشرق حاجًا ولم يعد وكان يحدث بالإجازة العامة عن السلفي ويقول بها وبرع في علم التصوف. وقال المنذري: ذكر أنه سمع بقرطبة من ابن بشكوال وأنه سمع بمكة وبغداد والموصل وغيرها وسكن الروم وجمع مجاميع. وقال ابن النجار: كانت رحلته إلى المشرق وألف في التصوف وفي التفسير وغير ذلك تآليف لا يأخذها الحصر وله سعة وتصرف في الفنون من العلم وتقدم في الكلام والتصوف. وقال ابن المديني: قدم بغداد سنة ثمان وستمائة فكان يومى إليه بالفضل والمعرفة والغالب عليه طريق أهل الحقيقة وله قدم في الرياضة والمجاهدة وكلام على لسان القوم ورأيت جماعة يصفونه بالتقدم والمكانة عند أهل هذا الشأن بالبلاد وله أتباع ووقفت له على مجموع من تآليفه فيه منامات حدث بها عن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ومنامات يرويها عن رؤيته هو للنبي صلى الله عليه وسلم وكتب عني شيئًا من ذلك وسمعته منه. وقال ابن النجار: صحب الصوفية وأرباب القلوب وسلك طريق الفقر وحج وجاور وصنف كتبًا في علم القوم وفي أخبار زهاد المغاربة. وله أشعار حسان وكلام مليح اجتمعت به بدمشق وكتبت عنه شيئًا من شعره ونعم الشيخ هو وقرأت بخط اليعموري أسد بن سعد الدين ابن شيخنا الإمام الراسخ محيي الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن العربي الحاتمي وذكر شعرًا. وقال ابن سدي: وكان يلقب القشيري لقبًا غلب عليه لما كان يشتهر به من التصوف وكان جميل الحلية والفضل محصلًا لفنون العلم وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق. سمع ببلده من أبي بكر بن الحسين ومحمد بن سعيد بن زرقون وجابر الحضرمي وبسبتة من أبي محمد بن عبيد الله وبإشبيلية من عبد المنعم الخزرجي وأبي جعفر بن نصار وبمرشنة من أبي بكر بن أبي حمزة. وذكر أنه لحق عبد الحق ببجاية وفي ذلك نظر وأن السلفي أجاز له وأحسنها الإجازة العامة. وله تآليف وكان مقتدرًا على الكلام ولعله ما سلمه من الكلام وكان ظاهري المذهب في العبادات باطني النظر في الاعتقادات ويقال إنه لما كان ببلاد الروم دلسه الملك ذات يوم فقال هذا بدعوة الأسود فقال خدمته لتلك فقال في المبذل لك أعد خلقه وقد أطراه الكمال بن الزملكاني فقال: هو البحر الزاخر في المعارف الإلهية وإنما ذكرت كلامه وكلام غيره من أهل الطريق لأنهم أعرف بحقائق المقامات من غيرهم لدخولهم فيها وتحققهم بها ذوقًا مخبرين عن عين اليقين. وقال ابن أبي المنصور: كان من أكبر علماء الطريق جمع بين سائر العلوم المكتسبة ومأموله من العلوم الوهبية وكان غلب عليه التوحيد علمًا وخلقًا وحالًا لا مكترثًا بالوجود مقبلًا كان أو معرضًا. ويحكي عنه من يتعصب له أحوالًا سنية ومعارف كثيرة والله أعلم. وقرأت بخط أبي العلاء الفرضي في المسند له: كان شيخًا عالمًا جامعًا للعلوم صنف كتبًا كثيرة وهو من ذرية عبد الله بن حاتم الطائي أخي عدي بن حاتم وأما عدي فلم يعقب وتقدم له ذكر في ترجمة ابن دحية عمر بن الحسن في حرف العين. وقال القطب السرمين في ذيل في ترجمة سعد الدين بن أبي عبد الله محيي الدين بن عربي: كان والده من كبار المشايخ العارفين. وله مصنفات عديدة وشعر كثير وله أصحاب يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا مفرطًا يتغالون فيه وهو عندهم نحو درجة النبوة ولم يصحبه أحد إلا وتغالى فيه ولا يخرج عنه أبدًا ولا يفضل عليه غيره ولا يساوي به أحدًا من أهل زمانه وتصانيفه لا يفهم منها إلا القليل لكن الذي يفهم منها حسن جميل. وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها وزعم أصحابه أن لها معنى باطنها غير الظاهر وبالجملة فكان كبير القدر من سادات القوم وكانت له معرفة تامة بعلم الأسماء والحروف وله في ذلك أشياء غريبة واستنباطات عجيبة انتهى.ً يتغالون فيه وهو عندهم نحو درجة النبوة ولم يصحبه أحد إلا وتغالى فيه ولا يخرج عنه أبدًا ولا يفضل عليه غيره ولا يساوي به أحدًا من أهل زمانه وتصانيفه لا يفهم منها إلا القليل لكن الذي يفهم منها حسن جميل. وفي تصانيفه كلمات ينبو السمع عنها وزعم أصحابه أن لها معنى باطنها غير الظاهر وبالجملة فكان كبير القدر من سادات القوم وكانت له معرفة تامة بعلم الأسماء والحروف وله في ذلك أشياء غريبة واستنباطات عجيبة انتهى.

وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي - (ج 1 / ص 780)

مطلب ابن عربي هل هو على طريقة الهدى الخ ؟

وسئل تفع الله به بما لفظه: ما تقولون في ابن عربي هل هو على طريقة الهدى أم نهج الردى ؟ وهل صح تكفيره أو لا ؟ وهل قال أحد أنه على الصواب أو لا ؟ أوضحوا الجواب وأوضحوا لنا حاله فإنه تكاثرت الأقوال فيه ولم ندر الصحيح من السقيم ؟ .

فأجاب رضي الله عنه بقوله: الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله ورضي عنه إمام جمع بين العلم والعمل كما اتفق على ذلك من يعتد به ، كيف وقد ذكر بعض المنكرين في ترجمته إنه كان وصل لمرتبة الاجتهاد وحينئذ فإسلامه متيقن وكذلك علمه وعمله وزهادته وورعه ووصوله في الاجتهاد في العبادة إلى ما لم يضل إليه أكابر أهل الطريق . وإذا تقرر أن هذا كله معلوم من حاله فالأصل بفاؤه عليه إلى أن مات فلا يجوز الإقدام على تنقيصه بمجرد التهور والتخيلات التي لا مستند لها يعتد به بل يستصحب ما علم من إسلامه ومعارفه وعلومه هذا ما يتعلق بذلك ، أما الكتب المنسوبة له فالحق أنه واقع فيها ما ينكر ظاهره والمحققون من مشايخنا ومن قبلهم على تأويل تلك المشكلات بأنها جارية على اصطلاح القوم وليس المراد منها ظواهرها . قال بعض المحققين من مشايخ مشايخنا: مع اعتقادي فيه المعرفة الكبرى والنزاهة العظمى لو رأيته للمته وقلت له: قد أودعت في كتبك أشياء كانت سببا لضلال كثيرين من الجهال بطريقتك واصطلاحك ، فإن أكثر الناس ليس لهم من الكلام إلا ظاهره وظاهر تلك الكلمات كفر صريح ارتبك فيه أقوام اغتروا بكلامك ولم يدروا أنه جار على اصطلاحك فليتك أخليت تلك الكتب عن الكلمات المشكلة انتهى حاصل ما قاله ذلك المحقق وهو كلام حسن ، وإن فرض أن للشيخ عذرا في ذكرها غيرة على طريقتهم أن ينتحلها الكاذبون لأن هذا لو فرض وقوعه كان أخف مما ترتب على ذكر تلك الكلمات من زلل كثير بسببها ، ولقد رأيت ممن ضل بها من يصرخ بمكفرات أجمع المسلمون على أنها مكفرات ومع ذلك يعتقدها وينسبها لابن عربي ، ولقد كذب في ذلك وافترى فإن ابن عربي بريء من ذلك باعتبار ما علم واستقرئ من حاله.

والحاصل أنه يتعين على كل من أراد السلامة لدينه ألا ينظر في تلك المشكلات ولا يعول عليها سواء قلنا إن لها باطنا صحيحا أم لا ، وأن لا يعتقد في ابن عربي خلاف ما علم منه في حياته من الزهد والعبادة الخارقين للعادة ، وقد ظهر له من الكرامات ما يؤيد ذلك . منها: ما حكاه صاحب القاموس أنه لما فرغ من تأليف كتابه (الفتوحات المكية) جعله وهو ورق مفرق على ظهر الكعبة فمكث سنة لم تطير الريح منه ورقة ولا وصلت إليه قطرة مطر مع كثرة أمطارها ورياحها فسلامة تلك الأوراق من المطر والريح مع مكثها سنة على السطح من الكرامات الباهرة الدالة على إخلاصه في تأليفه هذا الكتاب وأنه بريء مما نسب إليه فيه وفي غيره ولا يقدح فيه ما صدر عنه مما لا يقبل التأويل ولا يقتضي التضليل ، كقوله بإسلام فرعون لأن هذا لا يقتضي كفرا وإنما غايته أنه خطأ في الاجتهاد وهو غير قادح في صاحبه إذ كل من العلماء مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا المعصومين . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

وفي فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 14 / ص 2)

تكفير ابن عربي

المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي

عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد

التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير

التاريخ 19/1/1425هـ

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

هل يجوز تكفير ابن عربي والقول عنه إنه كافر مشرك؟ علمًا أن هناك كفرًا صراحًا في كتبه وخاصة كتاب الفصوص، أرجو تبيين الحكم -بارك الله فيكم - جزاكم الله خيرًا.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فأقول -وبالله التوفيق-:

ابن عربي هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بابن عربي والملقب عند الصوفية بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، صاحب كتاب الفصوص، والفتوحات المكية، هلك سنة 638هـ عداده في غلاة الصوفية من أهل وحدة الوجود الذين تقوم بدعتهم على القول بالوحدة الذاتية لجميع الأشياء مع تعدد صورها في الظاهر، فالعالم بما فيه إنما هو التجلي الإلهي الدائم الذي كان ولا يزال، فالموجود واحد وهو الله واجب الوجود الأزلي عين المخلوقات، فكل شيء هو الله، واختلاف الموجودات هو اختلاف في الصور والصفات مع توحد في الذات، ومن أخطر ما تصل إليه هذه العقيدة القول بوحدة الأديان وإسقاط التكاليف والقول بعقيدة النور المحمدي والحقيقة المحمدية والإنسان الكامل.

وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون، ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وكفروا بحقيقة اليوم الآخر ثم ادّعوا أن الولاية أفضل من النبوة وأن خاتم الأولياء - وهو شيء لا حقيقة له - زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء بل ومن جميع الأنبياء، وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله.

وقد نقل غير واحد من المحققين من العلماء القول بضلال ابن عربي وفساد معتقده وإليك جملة من القول في ذلك:

قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (من أمعن النظر في فصوص الحكم أو أمعن التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من تلك الأقوال والنظائر والأشباه فهو أحد رجلين، إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر، نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلًا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئًا سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة) ، انظر ميزان الاعتدال للذهبي (3/660) .

وقال مفتي المالكية بمصر والشام القاضي شرف الدين عيسى بن مسعود الزوادي المالكي (ت743هـ) شارح صحيح مسلم: وأما ما تضمنه هذا التصنيف من الهذيان والكفر والبهتان فهو كله تلبيس وضلال، وتحريف وتبديل، فمن صدق بذلك واعتقد صحته كان كافرًا ملحدًا، صادًّا عن سبيل الله، مخالفًا لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملحدًا في آيات الله مبدلًا لكلماته فإن أظهر ذلك وناظر عليه كان كافرًا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن أخفى ذلك وأسرّه كان زنديقًا فيقتل متى ظهر عليه، ولا تقبل توبته إن تاب؛ لأن توبته لا تعرف فقد كان قبل أن يظهر عليه يقول بخلاف ما يبطن، فعلم بالظهور عليه خبث باطنه، وهؤلاء قوم يسمون بالباطنية لم يزالوا من قديم الزمان ضلالًا في الأمة، معروفين بالخروج من الملة يقتلون من ظهر عليهم وينفون من الأرض وعادتهم التمصلح والتدين وادعاء التحقيق، وهم على أسوأ طريق، فالحذر كل الحذر منهم فإنهم أعداء الله وشر من اليهود والنصارى؛ لأنهم قوم لا دين لهم يتبعونه ولا رب يعبدونه وواجب على كل من ظهر على أحد منهم أن ينهي أمره إلى ولاة المسلمين؛ ليحكموا فيه بحكم الله تعالى، ويجب على من ولي الأمر إذا سمع بهذا التصنيف البحث عنه وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها، وأدب من اتهم بهذا المذهب أو نسب إليه أو عرف به على قدر قوة التهمة عليه حتى يعرفه الناس ويحذروه).

وقال ابن خلدون - رحمه الله-: (ومن هؤلاء المتصوفة ابن عربي وابن سبعين وابن برجان وأتباعهم ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها مشحونة بصريح الكفر ومستهجن البدع، وتأويل الظاهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها مما يستغرب الناظر فيها نسبتها إلى الملة أو عدها في الشريعة، وليس ثناء أحد على هؤلاء حجة ولو بلغ المثني ما عسى أن يبلغ من الفضل لأن الكتاب والسنة أبلغ فضلًا أو شهادة من كل أحد، وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها بأيدي الناس مثل الفصوص، والفتوحات المكية لابن عربي والبد لابن سبعين، وخلع النعلين لابن قسي، وعين اليقين لابن برجان وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض والعفيف التلمساني وأمثالهما أن يلحق بهذه الكتب، وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض، فالحكم في هذه الكتب وأمثالها إذهاب أعيانها متى وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثر الكتاب لما في ذلك من المصلحة العامة في الدين بمحو العقائد المختلفة) .

وقال بدر الدين بن جماعة ت733هـ: (وأما إنكاره - يعني ابن عربي - ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد فهو كافر به عند علماء التوحيد،وكذلك قوله في نوح وهود -عليهما السلام- قول لغو باطل مردود) . ونقل السخاوي عن الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي ت805هـ قوله: (لم يكن هذا الفاجر المذكور - يعني ابن عربي- على الكتاب والسنة بل كان مخالفًا ولا يحل اعتقاد عقيدته ولا العمل بما أتى به من الباطل وليس كلامه ومعتقده الفاسد تأويلًا يقتضي موافقة الكتاب والسنة، ومن اعتقد عقد الباطل أو تمسك به فليس على طريق الحق بل هو على طريق الباطل، فيلزم من اعتقد ذلك أو تمسك به أن يتوب إلى الله -تعالى- من كفره وإلحاده وزندقته فإن تاب وإلا ضربت عنقه لزندقته، وقد كتبت على ذلك كراريس بالقاهرة ودمشق وبينت فيها أنه أتى بأنواع من الكفر والإلحاد والزندقة ولم يأت بها غيره فنعوذ بالله من طريقة هذا الشيطان ومن طريقة من اتبعه، وأن يجنبنا ما ابتدعه والحال ما ذكر والله أعلم بالصواب) .

وقال الصفدي في تاريخه: (سمعت أبا الفتح ابن سيد الناس يقول سمعت ابن دقيق العيد يقول: سألت ابن عبد السلام عن ابن عربي فقال: هو شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرِّم فرجًا) .

وممن كشف عواره وألف في بيان كفره وأمثاله الشيخ برهان الدين البقاعي الشافعي المحدث والمفسر والمؤرخ المتوفى سنة 885هـ بدمشق في مصنف له بعنوان: (مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) ، انظر منه الصفحات: 150-174. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت