(28) سورة ص، وَقَالَ تَعَالَى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (1) (21) سورة الجاثية ،وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ} (2) (58) سورة غافر .
وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ؛ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَنَهَى عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (3) ،وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (4) ،وَلَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ (5) ، وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا ،بَلْ يُبْغِضُهَا وَيَذُمُّ أَهْلَهَا وَيُعَاقِبُهُمْ.
(1) - أيَظُنُّ الذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ، وَاكتَسَبُوا الآثَامَ وَالمَعَاصِيَ في الدُّنيا ، فَكَفُروا باللهِ ، وكَذَّبوا رسُلَهُ ، وخَالَفُوا أوامِرَه . . أَن يُسَاوِيَهُمُ اللهُ بالذِينَ آمنُوا بِهِ ، وَصَدَّقوا رُسُلَه ، وَعَمِلُوا الأَعمالَ الصَّالحةَ في الدُّنيا؟ إِن اللهَ تَعَالى لا يُسَاوِي بَينَ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ في الدُّنيا ، وَفي رَحمةِ اللهِ ورِضْوانِهِ في الآخِرةِ . وَجَعَلَ اللهُ الكَفَرَةَ الفَجَرةَ في ذُلِّ الكُفْرِ وَالمَعَاصي في الدُّنيا ، وفي لَعْنَةِ اللهِ وَعَذَابِهِ الخَالِدِ في نَارِ جَهنَّمَ في الآخِرَةِ ، فَشَتَّانَ مَا بينَ هؤلاءِ وَهؤلاءِ ، وَسَاءَ مَا ظَنَّهُ ، وَمَا قَدَّرَهُ هؤُلاءِ المُجرِمُونَ ، تَعَالى اللهُ مِنْ أَنْ يُسَاوِيَهُمْ بِالمُؤْمِنينَ الأَطْهَارِ .
(2) - وَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي الأَعْمَى الذِي لاَ يُبْصِرُ شَيئًا ، مَعَ البَصِيرِ الذِي يَرَى مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ ، بَلْ هُنَاكَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ كَبِيرٌ ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ الأَبْرَارُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، مَعَ الفُجَّارِ الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ ، وَاجْتَرَحُوا السَّيئَاتِ ، وَعَصَواُ رَبَّهُمْ ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِهِ ، فَمَا أَقَلَّ تَذَكُّرُكُمْ حُجَجَ اللهِ ، وَمَا أَقَلَّ اعْتِبَارَكُمْ وَاتِّعَاظَكُمْ بِهَا ، وَلَوْ تَذَكَّرْتُمْ وَاعْتَبَرْتُمْ لَعَرَفْتُمْ خَطَأ مَا أَنْتُمْ فِيهِ .
(3) - قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (205) سورة البقرة
فَإِذَا انْصَرَفَ الوَاحِدُ مِنْ هؤُلاءِ إِلى العَمَلِ ، أَوْ إِذا تَوَلَّى وَلاَيَةً يَكُونُ لَهُ فِيهَا سُلْطَانٌ ، اتَّجَهَ إَلَى الشَّرِّ وَالفَسَادِ فِي قَسْوَةٍ وَجَفْوَةٍ ، تَتَمَثَّلُ فِي إِهْلاَكِ النَّبَاتِ وَالحَرْثِ ، وَإِتْلافِ النَّسْلِ الذِي يُمَثِّلُ امْتِدَادَ الحَيَاةِ ، وَاللهُ تَعَالَى يَكْرَهُ الفَسَادَ وَالمُفْسِدِينَ .
(4) - قال تعالى: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (7) سورة الزمر
وَإِنْ تَكْفُرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانٍ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الإِيْمَانَ والشُّكْرِ فَإِنَّ كُفْرَكُمْ لَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ، فَهُوَ الغَنِيَّ عَنْ سَائِر خَلْقِهِ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ الكُفْرَ لِعِبَادِهِ ، وَلاَ يَأْمُرُهُمْ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَيَشْكُرُوهُ عَلَى نَعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ . وَكُلَّ نَفْسٍ تُحَاسَبُ عَمَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَلاَ تُسْأَلُ نَفْسٌ عَمَّا فَعَلْتَهُ نَفْسٌ أُخْرَى؛ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَرْجِعُ الخَلْقُ إِلَى اللهِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ، وَبِمَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَمَا أَعْلَنُوهُ ، وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ لأَنَّهُ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ .
(5) - قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (28) سورة الأعراف
وَإِذَا فَعَلَ المُكَذِّبُونَ أَمْرًا بَالِغَ النُّكْرِ ، كَالشِّرْكِ ، وَالطَّوَافِ ، بِالبَيْتِ عُرَاةً ، اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ ، وَاللهُ أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَرَضِيَ لَهُمْ عَنْ فِعْلِهِ ، إِذْ أَقَرَّهُمْ عَلَيهِ .
وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مُنْكِرًا مَا يَفْتَرُونَ: إنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِهذِهِ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَيهِ تَعَالَى مَا لاَ يَجِدُونَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ؟