وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَمَنْ رَأَى الْقَدَرَ حُجَّةً لِأَهْلِ الذُّنُوبِ يَرْفَعُ عَنْهُمْ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَذُمَّ أَحَدًا وَلَا يُعَاقِبَهُ إذَا اعْتَدَى عَلَيْهِ ؛ بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ اللَّذَّةَ وَمَا يُوجِبُ الْأَلَمَ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ خَيْرًا ،وَبَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَهُ شَرًّا ،وَهَذَا مُمْتَنِعٌ طَبْعًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } (1) (28) سورة ص ، وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} (2) (35) سورة القلم ،وَقَالَ تَعَالَى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (3) (21) سورة الجاثية ،وَقَالَ تَعَالَى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } (4) [المؤمنون/115، 116] ،وَقَالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} (5) (36) سورة القيامة ،أَيْ مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى .
(1) - أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل أهل التقوى المؤمنين كأصحاب الفجور الكافرين؟ هذه التسوية غير لائقة بحكمة الله وحُكْمه، فلا يستوون عند الله، بل يثيب الله المؤمنين الأتقياء، ويعاقب المفسدين الأشقياء.
(2) - أفنجعل الخاضعين لله بالطاعة كالكافرين؟ ما لكم كيف حكمتم هذا الحكم الجائر، فساويتم بينهم في الثواب؟
(3) - أيَظُنُّ الذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ، وَاكتَسَبُوا الآثَامَ وَالمَعَاصِيَ في الدُّنيا ، فَكَفُروا باللهِ ، وكَذَّبوا رسُلَهُ ، وخَالَفُوا أوامِرَه . . أَن يُسَاوِيَهُمُ اللهُ بالذِينَ آمنُوا بِهِ ، وَصَدَّقوا رُسُلَه ، وَعَمِلُوا الأَعمالَ الصَّالحةَ في الدُّنيا؟ إِن اللهَ تَعَالى لا يُسَاوِي بَينَ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ في الدُّنيا ، وَفي رَحمةِ اللهِ ورِضْوانِهِ في الآخِرةِ . وَجَعَلَ اللهُ الكَفَرَةَ الفَجَرةَ في ذُلِّ الكُفْرِ وَالمَعَاصي في الدُّنيا ، وفي لَعْنَةِ اللهِ وَعَذَابِهِ الخَالِدِ في نَارِ جَهنَّمَ في الآخِرَةِ ، فَشَتَّانَ مَا بينَ هؤلاءِ وَهؤلاءِ ، وَسَاءَ مَا ظَنَّهُ ، وَمَا قَدَّرَهُ هؤُلاءِ المُجرِمُونَ ، تَعَالى اللهُ مِنْ أَنْ يُسَاوِيَهُمْ بِالمُؤْمِنينَ الأَطْهَارِ .
(4) - هَلْ ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الأَشْقِيَاءُ أَنَّنا خَلَقْنَاكُمْ لَعِبًا وَبَاطِلًا ( عَبَثًا ) ، وَأَنَّنا لاَ حِكْمَةَ لَنَا فِي خَلْقِكُمْ؟ إِنَّنا لَمْ نَخْلُقْكُم عَبَثًا وَلاَ بَاطِلًا لِلَّعِبِ والتَّسْلِيَةِ ، وإِنَّمَا خَلَقْنَاكُمَ لِتَعْبُدوا اللهَ ، وَتُقِيمُوا أَوَامِرَهُ ، فَهْلْ حَسَبْتُمْ أَنَّكُمْ لاَ تَرْجِعُونَ إِلَيْنَا فِي الآخِرَةِ لِنُحَاسِبَكُم عَلَى أَعْمَالِكُمْ؟
( وَقِيلَ بَلْ مَعْنَى الآيَةِ هُوَ: هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِتَعْبَثُوا وَتَلْعَبُوا كَمَا خُلِقَتِ البَهَائِمُ ، لاَ ثَوابَ وَلاَ عِقَابَ؟ )
فَتَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَخْلِقُ شَيئًْا عَبَثًا ، فَإِنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ ، لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، وَرَبُّ العَرْشِ ، ( والعَرْشَ هُوَ سَقْفُ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ ) فَهُوَ تَعَالَى المُهَيْمِنُ المُسَيْطِرُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الوُجَودِ ، وَهُوَ الكَرِيمُ .
(5) - أَيَظُنُّ الإِنْسَانُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ بِغَيْرِ غَايَةٍ ، وَأَنَّهُ يَتْرُكُهُ وَشَأْنَهُ فِي الحَيَاةِ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ ، لاَ يُؤْمِرُ بِأَمْرٍ ، وَلاَ يُنْهَى عَنْ نَهْيٍ ، وَلاَ يُبْعَثُ وَلاَ يُحَاسَبُ؟
كَلاَّ إِنَّهُ لَنْ يُتْرَكَ سُدًى ، وَسَيُبَعَثُ وَسَيُحَاسَبُ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِ .