الْهَاتِفُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ مِثْلُ الَّذِي سَمِعُوهُ يَأْمُرُ بِغُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَمِيصِهِ كَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ"فِي ذَيْلِ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا قَالَ: لَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْفَضَائِلِ وَكَذَلِكَ مَا اسْتَخَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ، كَقَوْلِ الْعَبَّاسِ فِي حَدْوِ الصَّارِخِ: اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّك (1) ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْعَةِ فَعَلَهُ تَكْرِيمًا لَهُ قُلْت: وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِي الْهَوَاتِفِ ، وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ { هَتَفَ جِبْرِيلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (2) } ." (3)
وقال الشوكاني (4) :"دلالة الإلهام ذكرها بعض الصوفية، وحكى الماوردي والروياني، في"باب"القضاء في حجية الإلهام خلافًا وفرعًا عليه أن الإجماع هل يجوز انعقاده لا عن دليل"فإن قلنا: يصح جعله دليلا شرعيا جوزنا الانعقاد لا عن دليل"وإلا فلا."
قال الزركشي في"البحر": وقد اختار جماعة من المتأخرين اعتماد الإلهام، منهم في"تفسيره"في أدلة القبلة، وابن الصلاح في"فتاويه" (5) ، فقال: إلهام خاطر الحق من الحق. قال: ومن علامته أن ينشرح له الصدر، ولا يعارضه معارض"من خاطر آخر".
قال أبو علي التميمي في كتاب"التذكرة في أصول الدين" (6) : ذهب بعض الصوفية إلى أن المعارف تقع اضطرارًا للعباد على سبيل الإلهام، بحكم وعد الله سبحانه وتعالى، بشرط التقوى، واحتج بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} (7) أي: ما تفرقون به بين الحق والباطل، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } (8) أي: عن كل ما يلتبس على غيره وجه الحكم فيه وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (9) .
فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم، وسلمت قلوبهم لله تعالى، بترك المنهيات وامتثال المأمورات؛"إذ"وخبره صدق ووعده حق.
واحتج شهاب الدين السهروردي (10) على الإلهام بقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} (11) وبقوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} (12) فهذا الوحي هو مجرد الإلهام.
ثم إن من"الإلهام"علوما تحدث في النفوس الزكية المطمئنة، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ « قَدْ كَانَ يَكُونُ فِى الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِى أُمَّتِى مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ » . قَالَ ابْنُ وَهْبٍ تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ. (13) وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (14) فأخبر أن النفوس ملهمة.
(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلاَنِ يَحْفِرَانِ الْقُبُورَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَحْفِرُ لأَهْلِ مَكَّةَ وَأَبُو طَلْحَةَ يَحْفِرُ لِلأَنْصَارِ وَيَلْحَدُ لَهُمْ - قَالَ - فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ الْعَبَّاسُ رَجُلَيْنِ إِلَيْهِمَا فَقَالَ اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّكَ. فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ وَلَم يَجِدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ فَحَفَرَ لَهُ وَلَحَدَ. مسند أحمد (2713) وهو صحيح لغيره
(2) - لم أجده
(3) - انظر حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 380)
(4) - إرشاد الفحول - (ج 2 / ص 199)
(5) - واسمها"فتاوى ابن الصلاح، لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشافعي، وهي من محاسنه، جمعها بعض طلبته، وهو الكمال إسحاق المعزي، وهي في مجلد كثير الفوائد نسخة منها مرتبة على الأبواب ونسخة غير مرتبة ا. هـ كشف الظنون 2/ 1218."
(6) - التذكرة في أصول الدين - للشيخ أبى طاهرأسماعيل بن مكى بنإسماعيل بن عوف المالكى الاسكندرانى المتوفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.حاجي خليفة [ 393 ]
(7) - جزء من الآية 29 من سورة الأنفال
(8) - جزء من الآية 22 من سورة الطلاق.
(9) - جزء من الآية 282 من سورة البقرة.
(10) - هو عمر بن محمد بن عبد الله التيمي القرشي، البكري السهروردي، الشيخ الإمام العالم القدوة، العارف، المحدث، شيخ الإسلام، شهاب الدين، ولد سنة ثلاثين وخمسمائة هـ وتوفي سنة اثنتنين وثلاثين وستمائة هي، صنف في التصوف كتابا فيه أحوال القوم ا. هـ سير أعلام النبلاء 22/ 375 شذرات الذهب 5/ 153.
(11) - جزء من الآية 7 من سورة القصص.
(12) - جزء من الآية 68 من سورة النحل.
(13) - صحيح مسلم (6357 )
المحدث: الصادق الظن الملهم الذى يلقَى في نفسه الشىء فيخبر به فراسة
(14) - الآيتان 7-8 من سورة الشمس.