فَإِنِّي أَعْرِفُ مَنْ تُخَاطِبُهُ النَّبَاتَاتُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يُخَاطِبُهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي دَخَلَ فِيهَا، وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُمُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَتَقُولُ: هَنِيئًا لَك يَا وَلِيَّ اللَّهِ فَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فَيَذْهَبُ ذَلِكَ .
وَأَعْرِفُ مَنْ يَقْصِدُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَتُخَاطِبُهُ الْعَصَافِيرُ وَغَيْرُهَا وَتَقُولُ: خُذْنِي حَتَّى يَأْكُلَنِي الْفُقَرَاءُ ،وَيَكُونُ الشَّيْطَانُ قَدْ دَخَلَ فِيهَا كَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِنْسِ وَيُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ ،وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ وَهُوَ مُغْلَقٌ فَيَرَى نَفْسَهُ خَارِجَهُ وَهُوَ لَمْ يَفْتَحْ وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ وَتَكُونُ الْجِنُّ قَدْ أَدْخَلَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ بِسُرْعَةِ ،أَوْ تَمُرُّ بِهِ أَنْوَارٌ أَوْ تَحْضُرُ عِنْدَهُ مَنْ يَطْلُبُهُ ،وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَتَصَوَّرُونَ بِصُورَةِ صَاحِبِهِ، فَإِذَا قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ .
وَأَعْرِفُ مَنْ يُخَاطِبُهُ مُخَاطِبٌ وَيَقُولُ لَهُ:أَنَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَيَعِدُهُ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) ،وَيَظْهَرُ لَهُ الْخَوَارِقُ مِثْلُ أَنْ يَخْطُرَ بِقَلْبِهِ تَصَرُّفٌ فِي الطَّيْرِ وَالْجَرَادِ فِي الْهَوَاءِ ؛ فَإِذَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ ذَهَابُ الطَّيْرِ أَوْ الْجَرَادِ يَمِينًا أَوْ شَمَالًا ذَهَبَ حَيْثُ أَرَادَ وَإِذَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ قِيَامُ بَعْضِ الْمَوَاشِي أَوْ نَوْمُهُ أَوْ ذَهَابُهُ حَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ، وَتَحْمِلُهُ إلَى مَكَّةَ وَتَأْتِي بِهِ ،وَتَأْتِيه بِأَشْخَاصِ فِي صُورَةٍ جَمِيلَةٍ وَتَقُولُ لَهُ هَذِهِ الْمَلَائِكَةُ الكروبيون أَرَادُوا زِيَارَتَك، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: كَيْفَ تَصَوَّرُوا بِصُورَةِ المردان فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَجِدُهُمْ بِلِحَى، وَيَقُولُ لَهُ عَلَامَةُ إنَّك أَنْتَ الْمَهْدِيُّ إنَّك تَنْبُتُ فِي جَسَدِك شَامَةٌ فَتَنْبُتُ وَيَرَاهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَكُلُّهُ مِنْ مَكْرِ الشَّيْطَانِ .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَوْ ذَكَرْت مَا أَعْرِفُهُ مِنْهُ لَاحْتَاجَ إلَى مُجَلَّدٍ كَبِيرٍ ،وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) (2) } [الفجر/15-17] ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { كُلًّا } وَلَفْظُ ( كَلَّا) فِيهَا زَجْرٌ وَتَنْبِيهٌ: زَجْرٌ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا يُخْبَرُ بِهِ وَيُؤْمَرُ بِهِ بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ حَصَلَ لَهُ نِعَمٌ دُنْيَوِيَّةٌ تُعَدُّ كَرَامَةً يَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُكْرِمًا لَهُ بِهَا، وَلَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ يَكُونُ مُهِينًا لَهُ بِذَلِكَ ؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَقَدْ يُعْطِي النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ . وَلَا هُوَ كَرِيمٌ عِنْدَهُ لِيَسْتَدْرِجَهُ بِذَلِكَ . وَقَدْ يَحْمِي مِنْهَا مَنْ يُحِبُّهُ وَيُوَالِيه لِئَلَّا تَنْقُصَ بِذَلِكَ مَرْتَبَتُهُ عِنْدَهُ أَوْ يَقَعَ بِسَبَبِهَا فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ .
(1) - خبر المهدي متواتر
(2) - فَإِذَا وَسَّعَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الإِنْسَانِ فِي الرِّزْقِ وَالمَالِ وَالجَاهِ وَالقُوَّةِ ، لِيَخْتَبِرَهُ ، اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ اللهِ لَهُ ، فَيَقُولُ: رَبِّ فَضَّلِني لاسْتِحْقَاقِي ذَلِكَ ، وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِلاَءٌ مِنَ اللهِ لِلْخَلْقِ .
وَإِذَا رَأَى الإِنْسَانُ أَنَّ رِزْقَهُ لاَ يَصِلُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِقَدَرٍ ظَنَّ ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ مِنَ اللهِ ، وَإِذْلاَلًا لِنَفْسِهِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَهَانَنِي . وَالإِنْسَانُ فِي الحَالَيْنِ مُخَطِئٌ فِي ظَنِّهِ وَفِي قَوْلِهِ ، فإِسْبَاغُ النِّعْمَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الإِنْسَانِ لاَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهَا ، وَلَوْ دَلَّ عَلَى هَذَا لَمَا رأَيْتَ عَاصِيًا مُوسَّعًا عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ .
وَيَرُّدُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ زَاجِرًا وَرَادِعًا ( كَلاًّ ) قَائِلًا: إِنَّهُ لَمْ يَبْتَلِ الغَنِيِّ بِالغِنَى لِكَرَامَتِهِ عِنْدَهُ ، وَلَمْ يَبْتَلِ الفَقِيرَ بِالفَقْرِ لِهَوَانِهِ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يُوسِعُ عَلَى الغَنِيِّ لِيَخْتَبِرَهُ أَيَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ؟ وَقَدْ يُضَيِّقُ عَلَى الفَقِيرِ لِيَخْتَبِرَهُ أَيْصْبِرُ أَمْ يَضْجَرُ ، فَمَدَارُ الأَمْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ