فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 322

وَقِيلَ: مَنَعَ وُقُوعَ الَّتِي مِنْ جِنْسِ مُعْجِزَةِ نَبِيٍّ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ ، وَرَدَّهُمَا الْفَخْرُ بِأَنَّ الْمُرْضِي وُقُوعُهَا مَعَ الِانْتِفَاءِ مِنْ النُّبُوءَةِ ،وَاشْتَرَطَ الْقُشَيْرِيِّ وَجَمَاعَةٌ أَنْ لَا تَنْتَهِيَ إلَى إحْيَاءِ مَيِّتٍ وَلَا وُجُودِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ، وَرَدَّ بِذَلِكَ وَبِقَوْلِهِمْ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ، وَالْكَرَامَةُ مِنَ الْجَائِزِ تَظْهَرُ بِأَيْدِي أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ إكْرَامًا لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا وَقَعَ لِمَرْيَمَ ، وَكَوِلَادَةِ عِيسَى بِلَا أَبٍ ، وَكَمَا وَقَعَ لِأَصْحَابِ الْكَهْفِ ، وَوَزِيرِ سُلَيْمَانَ فِي عَرْشِ بِلْقِيسَ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ إرْهَاصٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَرَامَةٌ لِمَنْ وَقَعَ عَلَى يَدِهِ وَإِجْلَالٌ لَهُمْ إذْ وَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ تَبِعَهُمْ فِي شَرَائِعِهِمْ ، وَقَلْبُ الْأَعْيَانِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى السَّاحِرِ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَلِيِّ ، وَصَحَّحَهُ شَارِحُ الْهَمْزِيَّةِ ، وَإِنَّمَا أَمْكَنَهُ هَذَا لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ كَمَا فَعَلَهُ عَلَى يَدِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ بِدُونِ اللَّهِ فَمَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعٍ ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) } [الجن/26، 27] ، فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ ، وَإِضَافَةُ الْغَيْبِ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، وَمَدْلُولُ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ ، فَالْغُيُوبُ كُلُّهَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ ، بَلْ أَطْلَعَ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ مُتَّصِلٌ ، فَالْمَعْنَى لَا يُظْهِرُ عَلَى بَعْضِ غَيْبِهِ إلَّا الرَّسُولَ ، وَيُظْهِرُ عَلَى غَيْرِهِ رُسُلًا آخَرِينَ وَأَوْلِيَاءَ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْكَرَّامِيَّةِ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ وَأَنِلْهُ يَسْقُطُ عَنْ الْوَلِيِّ التَّكْلِيفُ إذَا بَلَغَ حَالَةً مَخْصُوصَةً ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: قَتْلُ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ سَبْعِينَ كَافِرًا لِشِدَّةِ ضَرَرِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَمِمَّنْ وَافَقَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ الْكَرَامَةِ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْحَسَنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَكَانَ أَهْلُ رَحْبَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ يُنْكِرُونَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، قَالَ أَبُو جَابِرٍ الرَّحَبِيُّ: فَرَكِبْت سَبُعًا ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلْت الْمَدِينَةَ وَقُلْت: أَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ؟ .""

وفي فتاوى ابن عليش: (1)

" ( مَا قَوْلُكُمْ ) فِي رَجُلٍ مَاتَ , وَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ بَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بَانَتْ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا أَمْ لَا ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِالْجَوَازِ فَهَلْ , وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ , وَهَلْ تَكُونُ مَعَهُ بِعِصْمَةٍ جَدِيدَةٍ وَهَلْ حُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ , وَأَحْيَاهَا اللَّهُ تَعَالَى حُكْمُ الرَّجُلِ أَمْ لَا كَيْفَ الْحَالُ ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ ."

فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ , وَالصَّلَاةُ , وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا فُرِضَ مَوْتُهُ حَقِيقَةً , وَأَحْيَاهُ اللَّهُ لَهُ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ فَقَدْ بَانَتْ زَوْجَتُهُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ , وَيَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ حَيَاتِهِ , وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ ; لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْعَقْدِ فِي الْعِدَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّوْجِ أَلَا تَرَى أَنْ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا دُونَ الْغَايَةِ فَلَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ ،لَكِنَّ مَحَلَّ هَذَا إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ طَلَاقٌ يَبْلُغُ بِهَذِهِ الْبَيْنُونَةِ ثَلَاثًا , وَإِلَّا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ , وَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ زَوْجٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ طَلْقَتَانِ , وَهُوَ حُرٌّ أَوْ وَاحِدَةٌ , وَهُوَ رَقِيقٌ كَانَتْ مَعَهُ بِعِصْمَةٍ جَدِيدَةٍ تَامَّةٍ , وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ طَلَاقٌ أَوْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَلْقَةٌ , وَهُوَ حُرٌّ , وَعَقَدَ عَلَيْهَا كَانَتْ مَعَهُ بِتَمَامِ الْعِصْمَةِ الْأُولَى , وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَتْ , وَأَحْيَاهَا اللَّهُ تَعَالَى حُكْمُ الرَّجُلِ , وَكُلُّ هَذَا إنَّمَا يُقَالُ: تَشْحِيذًا لِلْأَذْهَانِ , وَتَدْرِيبًا لِلْعِرْفَانِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .""

وقال ابن حجر المكي: (2)

(1) - فتاوى ابن عليش - (ج 1 / ص 451)

(2) - الزواجر عن اقتراف الكبائر - (ج 3 / ص 177)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت