فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 322

وكان الأستاذ علي الدقاق رحمه الله يقول بجوازه وهو الذي نؤثره ونقول به، وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء، حتى يكون كل ولي يعلم أنه ولي واجبًا، ولكن يجوز أن يعلم بعضهم ذلك كما لا يجوز أن لا يعلم بعضهم.

فإذا علم بعضهم أنه ولي، كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها.

وليس كل كرامة لولي، يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء، بل لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا، لم يقدح عدمها في كونه وليًا، بخلاف الأنبياء فإنه يجب أن تكون لهم معجزات؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق، فالناس بحاجة إلى معرفة صدقه، ولا يعرف إلا بمعجزة.وحال الولي بعكس ذلك، لأنه ليس بواجب على الخلق، ولا على الولي أيضًا العلم بأنه ولي.

والعشرة من الصحابة رضي الله عنهم صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به في أنهم من أهل الجنة.

وأما قول من قال: لا يجوز ذلك، لأنها تخرجهم من الخوف فلا بأس أن لا يخافوا تغيير العاقبة.

والذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه وتعالى، يزيد ويربو على كثير من الخوف.

قال الأستاذ القشيري: واعلم أنه ليس للولي مساكنة إلى الكرامة التي تظهر عليه، ولا له ملاحظة، وربما يكون لهم في ظهور جنسها قوة يقين، وزيادة بصيرة، لتحققهم أن ذلك فعل الله تعالى، فيستدلون بها من صحة ما هم عليه من العقائد، والله أعلم.

كلُّ كرامةٍ لوليٍّ معجزةٌ لنبيٍّ

قال القشيري رحمه الله تعالى: إن قيل كيف يجوز إظهار هذه الكرامات الزائدة في المعاني على معجزات الرسل؟.

قلنا: هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن كل من ليس بصادق في الإسلام تمتنع عليه الكرامات. وكل نبي ظهرت له كرامة على واحد من أمته، فهي معدودة من جملة معجزاته، إذ لو لم يكن ذلك الرسول صادقًا لم تظهر على من تابعه الكرامة. يعني التي هي الكرامة لهذا الواحد.

لا يجوزُ تفضيل الوليِّ على النبيِّ

قال القشيري: هل يجوز تفضيل الولي على النبي؟.

قلنا: رتبة الأولياء لا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. للإجماع المنعقد على ذلك.

الكراماتُ تتنوع بتنوع الأحوال والمناسبات

قال الأستاذ القشيري رحمه الله: هذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر، أو حصول ماء في وقت عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليص من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، وغير ذلك من فنون الأفعال المناقضة للعادة.

قال: واعلم أن كثيرًا من المقدورات يعلم اليوم قطعًا أنه لا يجوز أن تقع كرامة للأولياء بالضرورة أو شبه الضرورة يعلم ذلك، فمنها حصول إنسان من غير أبوين، وقلب جماد بهيمة، وأمثال هذه كثيرة.

اشتقاقُ لفظ الوليِّ

قال القشيري: يحتمل الولي أمرين:

(1) أحدهما أن يكون فعيلًا مبالغة في الفاعل؛ كالعليم بمعنى العالم، والقدير بمعنى القادر، فيكون معناه: من توالت طاعته من غير تخلل معصية.

(2) والثاني أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول؛ كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الله سبحانه وتعالى حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة المعصية، ويديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة، قال الله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (196) سورة الأعراف.

أمَّا العبدُ الصالحُ فيطلق على النبي والولي

قال الله تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) } [الأنبياء/85-87] .

وقال تعالى عن نبيه يحيى صلى الله عليه وسلم: {..وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (39) سورة آل عمران .

وقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (69) سورة النساء .

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عبد الله بن عمر: « إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ » (1) . والآيات والأحاديث بمعنى ما ذكرته كثيرة.

حدُّ الصَّالحِ

وأمَّا حد الصالح فقال الإمام أبو إسحاق الزجاج في كتابه معاني القرآن، وأبو إسحاق بن قرقول صاحب مطالع الأنوار: هو المقيم بما يلزم من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد.

الفرقُ بين العصمة والحفظ

قال الإمام القشيري: فإن قيل هل يكون الولي معصومًا أم لا؟.

قلنا: أما وجوبًا كما يقال في حق الأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظًا حتى لا يصرَّ على الذنوب، وإن حصلت هفوات في أوقات، أو آفات، أو زلات، فلا يمتنع ذلك في وصفهم. وقد قيل للجنيد: العارف يزني؟ فأطرق مليًا ثم رفع رأسه وقال: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

الخوفُ لا يفارق الأولياء

قال التستري رحمه الله: فإن قيل: هل يسقط الخوف عن الأولياء؟.

قلنا: الغالب على الأكابر كان الخوف.

وذلك الذي تقدم على جهة الندرة يعني القلة غير ممتنع.

وهذا السري السقطي رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن واحدًا دخل بستانًا فيه أشجار كثيرة، وعلى كل شجرة طير يقول له بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله! فلو لم يخف أنه مكر لكان ممكورًا به. وأمثال هذا من حكاياتهم كثيرة. قال: فإن قيل: هل يجوز أن يزابل الولي خوف المكر؟.

قلنا: إن كان مصطلحًا عن شاهده، مختطفًا عن إحساسه بحاله، فهو مستهلك عنه، فيما استولى عليه والخوف من صفة الحاضرين بهم.

ما يغلبُ على الولي حال صحوه

قال القشيري: فإن قيل: ما الغالب على الولي في حال صحوة؟.

(1) - صحيح البخارى (3740 و 3741 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت