-فمن الكرامات الثابتة بالقرآن والسنة لمن سبق قصة أصحاب الكهف، الذين عاشوا في قوم مشركين، وهم قد آمنوا بالله، وخافوا أن يغلبوا على آمرهم، فخرجوا من القرية مهاجرين إلى الله عز وجل، فيسر الله لهم غارا في جبل، وجه هذا الغار إلى الشمال، فلا تدخل الشمس عليهم فتفسد أبدانهم ولا يحرمون منها، إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوه منه، وبقوا في هذا الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا، وهم نائمون، يقلبهم الله ذات اليمن وذات الشمال، في الصيف وفي الشتاء، لم يزعجهم الحر، ولم يؤلمهم البرد، ما جاعوا وما عطشوا وما ملوا من النوم. فهذه كرامة بلا شك، بقوا هكذا حتى بعثهم الله وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا منه.
-ومن ذلك قصة مريم رضي الله عنها، أكرمها الله حيث أجاءها المخاض إلى جذع النخلة، وأمرها الله أن تهز بجذعها لتتساقط عليها رطبا جنيا.
-ومن ذلك قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، كرامة له، ليتبين له قدرة الله تعالى، ويزداد ثباتا في إيمانه.
-أما في السنة، فالكرامات كثيرة، وراجع (كتاب الإنبياء، باب ما ذكر عن بن إسرائيل) في"صحيح البخاري"، وكتاب"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"لشيخ الإسلام ابن تيمية .
-وأما شهادة الواقع بثبوت الكرامات، فظاهر، يعلم به المرء في عصره، إما بالمشاهدة، وإما بالأخبار الصادقة.
فمذهب أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء.
وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم، حيث إنهم ينكرون الكرامات، ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات، لاشتبه الساحر بالولي بالنبي، لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.
فيقال: لا يمكن الالتباس، لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادعاها، لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه، بخلاف الكرامة، فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه.
قال العلماء: كل كرامة لولي، في آية للنبي الذي اتبعه، لأن الكرامة شهادة من الله عز وجل أن طريق هذا الولي طريق صحيح.
وعلى هذا، ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولهذا قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين، إلا ولرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلها.
-فأورد عليهم أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يلق في النار فيخرج حيا، كما حصل ذلك لإبراهيم .
فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام بجنس هذا لأمر الخارق للعادة، دل ذلك على أن دين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق، لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم .
وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد فلق لموسى !
فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء، كما في قصة العلاء بن الحضرمي، حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى، مشى على أرض يابسة.
وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات
وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأجيب بأنه حصل وقع لأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه، فأحياه الله تعالى.
وأورد عليهم إبراء الأكمة والأبرص.
فأجيب بأنه حصل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد، ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه. فهذه من أعظم الآيات.
فالآيات التي كانت للأنبياء السابقين كان من جنسها للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو لأمته، ومن أراد المزيد من ذلك، فليرجع إلى كتاب"البداية والنهاية في التاريخ"لابن كثير .
تنبيه:
الكرامات، قلنا: إنها تكون تأييدا أو تثبيتا أو إعانة للشخص أو نصرا للحق، ولهذا كانت الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، لأن الصحابة عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بين أظهرهم، وأما التابعون، فإنهم دون ذلك، ولذلك كثرت الكرامات في زمنهم تأييدا لهم وتثبيتا ونصرا للحق الذي هم عليه.
"خوارق": جمع خارق.و"العادات": جمع عادة.
في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات
والمراد بـ"خوارق العادات": ما يأتي على خلاف العادة الكونية.
وهذه الكرامات لها أربع دلالات:
أولا: بيان كمال قدرة الله عز وجل، حيث حصل هذا الخارق للعادة بأمر الله.
ثانيا: تكذيب القائلين بأن الطبيعة هي التي تفعل، لأنه لو كانت الطبيعة هي التي تفعل، لكانت الطبيعة على نسق واحد لا يتغير، فإذا تغيرت العادات والطبيعة، دل على أن للكون مدبرا وخالقا.
ثالثا: أنها آية للنبي المتبوع كما أسلفنا قريبا.
رابعا: أن فيها تثبيتا وكرامة لهذا الولي.
يعني: أن الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم آخر يتعلق بالقدرة والتأثيرات .
-أما العلوم، فأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
-وأما المكاشفات، فأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.