فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 322

(1) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ مِنْ إِبْلِيسَ وَجَمَاعَتِهِ ( قَبِيلِهِ ) ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِعَدَاوَتِهِ القَدِيمَةِ لآدَمَ وَزَوْجِهِ ، حِينَمَا سَعَى فِي إِخْرَاجِهِمَا مِنَ الجَنَّةِ ، دَارِ السَّعَادَةِ وَالهَنَاءِ ، إلَى الأَرْضِ دَارِ الشَّقَاءِ ، وَتَسَبَّبَ فِي هَتْكِ سِتْرِهِمَا ، وَكَشْفِ عَوْرَاتِهِمَا ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُمَا ، وَلِذَلِكَ فَإنَّ بَنِي آدَمَ عَلَيْهِمْ ألاَّ يُمَكِّنُوا إِبْلِيسَ مِنْ خِدَاعِهِمْ ، وَإِيقَاعِهِمْ فِي المَعَاصِي بِوَسْوَسَتِهِ ، فَإِبْلِيسُ يَرَى البَشَرَ فِي حِينِ أَنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَهُ هُمْ . وَالشَّيَاطِينُ هُمْ أَوْلِيَاءُ وَأَخِلاَّءُ وَأَصْحَابٌ لِلْكُفَّارِ الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ مِنَ الإِنْسِ ، لاسْتِعْدَادِهِمْ لِتَقَبُّلِ وَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَإِغْوَائِهِمْ . أَمَّا المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ .

وَإِذَا فَعَلَ المُكَذِّبُونَ أَمْرًا بَالِغَ النُّكْرِ ، كَالشِّرْكِ ، وَالطَّوَافِ ، بِالبَيْتِ عُرَاةً ، اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ ، وَاللهُ أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَرَضِيَ لَهُمْ عَنْ فِعْلِهِ ، إِذْ أَقَرَّهُمْ عَلَيهِ .

وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مُنْكِرًا مَا يَفْتَرُونَ: إنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِهذِهِ الأُمُورِ المُنْكَرَةِ ، فَكَيْفَ يَنْسُبُونَ إِلَيهِ تَعَالَى مَا لاَ يَجِدُونَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ؟

وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أَمَرَ رَبِّي بِالاسْتِقَامَةِ وَالعَدْلِ فِي كُلِّ الأُمُورِ ( بِالقِسْطِ ) ، فَأَقْسِطُوا وَتَوَجَّهُوا إلَى اللهِ بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ تَعْبُدُونَهُ فِيهِ ، وَأَخْلِصُوا فِي عِبَادَتِهِ ، وَكَمَا خَلَقَ اللهُ النَّاسَ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ، كَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَيُعِيدَهُمْ إلى الحَيَاةِ ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ وَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ .

وَاللهُ لاَ يَتَقَبَّلُ العَمَلَ مِنَ العَبْدِ إلاَّ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا أَمْرَينِ:

-الصَّوابَ وَمُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ .

-وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ بَعِيدًا عَنِ الشِّرْكِ .

وَكَمَا بَدَأَ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ خَلْقًَا وَتَكْوِينًا بِقُدْرَتِهِ ، كَذَلِكَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرِيقَيْنِ:

أ - فَرِيقًا هَدَاهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ فَاهْتَدَى ، وَأَقَامَ وَجْهَهُ للهِ مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا .

ب - وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةَ لاتِّبَاعِهِمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ لِرَبِّهِمْ ، وَإِنَّهُمْ حِينَ أَطَاعُوا الشَّيَاطِينَ فِيمَا زَيَّنُوهُ لَهُمْ مِنَ الفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ ، أَصْبَحُوا وَكَأَنَّهُمْ وَلَّوْهُمْ أُمُورَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ الذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ ، فَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ .

(2) - فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ ، وَلاَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَوْثَانِهِمْ ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ .

وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يَجْعَلُ الذَّبِيحَةَ غَيْرَ حَلاَلٍ . وَقَالاَ الذَّبْحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فِسْقٌ ، وَكَذَلِكَ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ التِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فِسْقٌ .

-وَقَالَ الشَّافِعِي: لاَ تَشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ ، وَيَحِلّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ . وَقَالَ إنَّ المُحَرَّمَ هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيرِ اللهِ ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قُرَيْشٍ مِنْ نَحْرِ الذَّبَائِحِ لِلأَوْثَانِ .

-وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا لاَ يَضُرُّ ، أَمَّا تَرْكُها عَمْدًا فَيَجْعَلُها غَيْرَ حَلاَلٍ .

وَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ ليُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ بِمَا يُجَادِلُونَكُمْ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ جَادَلَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ: فَقَالُوا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا ، وَلاَ نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللهُ ( أَيْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفهِ ) .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةُ ، أَرْسَلَتْ فَارِسُ إلَى قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّدًا ، وَقُولُوا لَهُ: فَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِسِكِينٍ فَهُوَ حَلاَلٌ ، وَمَا ذَبَحَ اللهُ بِشَمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبِ ( أَيْ المَيْتَةَ ) فَهُوَ حَرَامٌ؟

وَسَمِعَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ هَذَا القَوْلَ فَوَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ . . . ) ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْتُمُ المُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ المَيْتَةِ فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ، لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ ، إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت