، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ عَادَى وَلِيًّا لِلَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ (1) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { وَإِنِّي لَأَثْأَرُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَثْأَرُ اللَّيْثُ الْحَرِبُ } (2)
(1) - قال صاحب الإفصاح في هذا الحديث من الفقه إن الله سبحانه وتعالى قدم الأعذار إلى كل من عادى وليًا إنه إنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة، وولي الله تعالى هو الذي يتبع ما شرعه الله تعالى فليحذر الإنسان من إيذاء قلوب أولياء الله عز وجل ومعنى المعاداة أن يتخذه عدوًا.
ولا أرى المعنى إلا من عاداه لأجل ولاية الله، وأما إذا كانت الأحوال تقتضي نزاعًا بين وليين لله محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق غامض فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث فإنه قد جرى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خصومة وبين العباس وعلي رضي الله عنهما وبين كثير من الصحابة وكلهم كانوا أولياء الله عز وجل.
قوله:"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"فيه إشارة إلى إنه لا تقدم نافلة على فريضة وإنما سميت النافلة نافلة إذا قضيت الفريضة وإلا فلا يتناولها إسم النافلة ويدل على ذلك قوله:"ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"لأن التقرب بالنوافل يكون بتلو أداء الفرائض ومتى أدام العبد التقرب بالنوافل أفضى ذلك به إلى أن يحبه الله عز وجل ثم قال:"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به"إلى آخره فهذه علامة ولاية الله، لمن لم يكن قد أحبه، ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما لم يأذن الشرع له بسماعه ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ولا يمد يده إلى شيء ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه، ولا يسعى برجله إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه، فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله غير أهل الذكر توصلًا إلى أن يسمع لهم وكذلك في المبصرات والمتناولات والمسعى إليه، وتلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
قوله:"ولئن استعاذني لأعيذنه"يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين. وقوله:"استعاذني"ضبطوه بالنون والباء وكلاهما صحيح. شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية - (ج 1 / ص 34)
(2) -"يَقُولُ اللهُ تَعالى: مَن أَهَان َ لي وَلياًّ فَقد بَارَزني بِالمُحاربةِ ، وَإِنِّي لأ سرعُ شَيءٍ إِلى نُصرةِ أَوليَائي إِني لأَغضبُ لَهم كَمَا يَغضَبُ اللَّيثُ الحَربُ ، وَما تَرددتُ عَن شَيءٍ أَنا فَاعِلهُ تَرددي عَن قَبضِ رُوحِ عَبدي المُؤمِنِ وهُوَ يَكرهُ المَوتَ وَأَكرهُ مَساءتهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنهُ ، وَما تَعبَّدَ لي عَبدي المُؤمنُ بِمثلِ الزُّهدِ في الدُّنيَا ، وَلا تَقربَ عَبدِي المُؤمنُ بِمثلِ أَداءِ مَا افترضتُ عَليهِ ، ولاَ يَزالُ عَبدي يَتقربُ إِليَّ بِالنوافِلِ حَتى أُحبهُ ، فَإذا أَحببتهُ كُنتُ لهُ سَمعًا وَبَصرًا وَيدًا وموئلًا ، إِنْ سَأَلني أَعطيتهُ ، وإِنْ دَعاني أَستجيبُ لهُ ، وإِن َّمن عِبادي المُؤمنينَ لَمَن يَسأَلني البَابَ مِنَ العِبادةِ فَأَكُفهُ عَنهُ ، وَلو أَعطيتهُ إِياهُ لَدَاخلهُ العُجبُ وَأَفسدهُ ذلِكَ ، وَإِنَّ مِن عِبادي المُؤمنينَ لَمَن لاَ يَصلحُ لهُ إلا الغِنىَ وَلو أَفقرتهُ لأَفسدهُ ذلِكَ ، وَإِنَّ مِن عِبادي المؤمنينَ لَمَن لاَ يَصلحُ لهُ إِلا الفَقرُ ، ولو أَغنيتهُ لأَفسدهُ ذلكَ ، وإِنَّ مِن عِباديَ المُؤمنينَ لَمَنْ لاَ يُصلحهُ إِلا الصحةُ وَلو أَسقمتهُ لأَفسدهُ ذلِكَ وإِنَّ منْ عِباديَ المؤمِنينَ لَمَن لاَيَصلحُ لَهُ إلاَّ السُّقمُ وَلو أصححتهُ لأَفسدهُ ذلِكَ ، إِني أدبَّرُ عِبادي بِعلمِي بِقلُوبهِم ، إِني عَليمٌ خَبيرٌ"
موسوعة السنة النبوية - (ج 16 / ص 86) 22852 وأخرجه ابن أبى الدنيا في الأولياء (ص 9 ، رقم 1) ، والحكيم (2/232) ، وأبو نعيم في الحلية (8/318) ، وابن عساكر (7/95) والإتحاف 8/102 و 477 9/440 وطب 8/264 ومجمع 2/248 والسلسلة الضعيفة - (1775) وفيه ضعف
وفي كشف المشكل من حديث الصحيحين - (ج 1 / ص 1007) لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي رحمه الله قال:
في هذا الحديث إشكالات سبعة:
أحدها أن يقال كيف يعادي الإنسان الأولياء والأولياء قد تركوا الدنيا وانفردوا عن الخلق فإن جهل عليهم جاهل حلموا والعداوة إنما تكون عن خصومة والإشكال الثاني قوله (( فقد آذنته بالحرب ) ) وكيف يتصور الحرب بين الخالق والمخلوق والمحارب مناظر وهذا المخلوق في أسر قبضة الخالق والإشكال الثالث (( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) ) والعادة قد جرت بأن التقرب يكون بما لا يجب كالهدايا إلى الملوك دون أداء الخراج فإن مؤدي اللازم لا يكاد يحمد وإنما يشكر من فعل ما لا يجب
والرابع أن يقال فإذا كانت الفرائض أفضل القربات فكيف أثمرت النوافل المحبة ولم تثمرها الفرائض والخامس قوله (( كنت سمعه وبصره ويده ) ) فما صورة هذا
والسادس قوله (( ولئن سألني لأعطينه ) ) وكم قد رأينا من عابد وصالح يدعو ويبالغ ولا يرى إجابة
والسابع قوله (( وما ترددت عن شيء ) ) والتردد إنما يقع إذا أشكلت المصلحة في العواقب وذلك ينشأ عن ضعف التدبير والحق عز وجل منزه عن ذلك
والجواب أما الإشكال الأول فإن معاداة الأولياء يقع من أربعة أوجه
أحدها أن يعاديهم الإنسان عصبية لغيرهم كما يعادي الرافضي أبا بكر وعمر والثاني مخالفة لمذهبهم كما يعادي أهل البدع أحمد ابن حنبل
والثالث احتقارا لهم فيكون الفعل بهم فعل الأعداء كما كان بعض الجهال يحصب أويسا القرني
والرابع أنه قد يكون بين الولي وبين الناس معاملات وخصومات وليس كل الأولياء ينفردون في الزوايا فرب ولي في السوق
وأما الإشكال الثاني فإن الإنسان إنما خوطب بما يعقل ونهاية العداوة الحرب ومحاربة الله عز وجل للإنسان أن يهلكه وتقدير الكلام فقد تعرض لإهلاكي إياه
وأما الإشكال الثالث فإن في أداء الواجبات احتراما للأمر وتعظيما للأمر وبذلك الإنقياد تظهر عظمة الربوبية ويبين ذل العبودية
وأما الرابع فإنه لما أدى المؤمن جميع الواجبات ثم زاد بالتنفل وقعت المحبة لقصد التقرب لأن مؤدي الفرض ربما فعله خوفا من العقاب والمتقرب بالنفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة والقرب فيثمر له ذلك مقصوده
وأما الخامس فإن قوله (( كنت سمعه وبصره ) ) مثل وله أربعة أوجه
أحدهما كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح
والثاني أن كليته مشغولة فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني ولا يبصر إلا عن أمري
والثالث أن المعنى أني أحصل له مقاصده كما يناله بسمعه وبصره
والرابع كنت له في العون والنصرة كبصره ويده اللذين يعاونانه على عدوه
وأما السادس فإنه ما سئل ولي قط إلا وأجيب وإلا أنه قد تؤخر الإجابة لمصلحة وقد يسأل ما يظن فيه مصلحة ولا يكون فيه مصلحة فيعوض سواه
وأما السابع فجوابه من وجهين
أحدهما أن يكون التردد للملائكة الذين يقبضون الأرواح فأضافه الحق عز وجل إلى نفسه لأن ترددهم عن أمره كما قال تعالى ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) مريم 64 وتردد الملائكة إنما يكون لإظهار كرامة الآدمي كما تردد ملك الموت إلى آدم وإبراهيم وموسى ونبينا {صلى الله عليه وسلم} فأما أن يكون التردد لله فمحال في حقه وهذا مذهب الخطابي فإن اعترض على هذا فقيل متى أمر الملك بقبض الروح لم يجز له التردد فكيف يتردد؟
فالجواب من وجهين
أحدهما أن يكون إنما تردد فيما لم يجزم له فيه على وقت كما روي (( أنه لما بعث ملك الموت إلى الخليل قيل له تلطف بعبدي ) )
والثاني أن يكون تردد رقة ولطف بالمؤمن لا أنه يؤخر القبض فإنه إذا نظر إلى قدر المؤمن من احترمه فلم تنبسط يده لقبض روحه وإذا ذكر أمر الإله لم يكن له يد في امتثاله والثاني أنه خطاب لنا بما نعقل وقد تنزه الرب عز وجل عن حقيقته كما قال (( من أتاني يمشي أتيته هرولة ) ) فكما أن أحدنا يتردد في ضرب ولده فيأمره التأديب بضربه وتمنعه المحبة فإذا أخبر بالتردد فهمنا قوة محبته له بخلاف عبده فإنه لا يتردد في ضربه فأريد تفهيمنا تحقيق المحبة للولي بذكر التردد ومن الجائز أن يكون تركيب الولي يحتمل خمسين سنة فيدعو عند المرض فيعافى ويقوى تركيبه فيعيش عشرين أخرى فتغيير التركيب والمكتوب من الأجل كالتردد وذلك ثمرة المحبة .