فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 322

، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (1)

(1) - قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) } [آل عمران/110]

إن التعبير بكلمة"أخرجت"المبني لغير الفاعل , تعبير يلفت النظر . وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة , تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب , ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله . . إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى , لطيفة الدبيب . حركة تخرج على مسرح الوجود أمة . أمة ذات دور خاص . لها مقام خاص , ولها حساب خاص: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) . .

وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها , وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة , ولتكون لها القيادة , بما أنها هي خير أمة . والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض . ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية . إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها . وأن يكون لديها دائما ما تعطيه . ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح , والتصور الصحيح , والنظام الصحيح , والخلق الصحيح , والمعرفة الصحيحة , والعلم الصحيح . . هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها , وتحتمه عليها غاية وجودها . واجبها أن تكون في الطليعة دائما , وفي مركز القيادة دائما . ولهذا المركز تبعاته , فهو لا يؤخذ ادعاء , ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له . . وهي بتصورها الاعتقادي , وبنظامها الاجتماعي أهل له . فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي , وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا له كذلك . . ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ; ويدفعها إلى السبق في كل مجال . . لو أنها تتبعه وتلتزم به , وتدرك مقتضياته وتكاليفه .

وفي أول مقتضيات هذا المكان , أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد . . وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أخرجت للناس . لا عن مجاملة أو محاباة , ولا عن مصادفة أو جزاف - تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا - وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون: (نحن أبناء الله وأحباؤه) . . كلا ! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر , وإقامتها على المعروف , مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر:

(تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) . .

فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة , بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب , وبكل ما في طريقها من أشواك . . إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد . . وكل هذا متعب شاق , ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ; ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة . .

ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم , والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر . فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي . فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل . ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر , وللفضيلة والرذيلة , وللمعروف والمنكر . يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال .

وهذا ما يحققه الإيمان , بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه . وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون . . ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية . ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد . ومن سلطان الله في الضمائر , وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك .

ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير , الآمرون بالمعروف , الناهون عن المنكر , أن يمضوا في هذا الطريق الشاق , ويحتملوا تكاليفه . وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته , ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها , ويواجهون هبوط الأرواح , وكلل العزائم , وثقلة المطامع . . وزادهم هو الإيمان , وعدتهم هي الإيمان . وسندهم هو الله . . وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد . وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل , وكل سند غير سند الله ينهار !

وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها . ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية , التي تعرف بها في المجتمع الإنساني . فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان بالله - فهي موجودة وهي مسلمة . وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة , وغير متحققة فيها صفة الإسلام .

وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة , ندعها لمواضعها . وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته نقتطف بعضها:

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم , فلم ينتهوا , فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم , فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض , ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم . ."ثم جلس - وكان متكئا - فقال:"لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا"أي تعطفوهم وتردوهم .

وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر , أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه , ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".

وعن عرس ابن عميرة الكندي - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها , ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها".

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر". .

وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سيد الشهداء حمزة . ورجل قام إلى سلطان جائر , فأمره ونهاه , فقتله". .

وغيرها كثير . . وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم , وضروراتها لهذا المجتمع أيضا . وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة . وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته .

ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة . .

(ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم . منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) . .

وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان . فهو خير لهم . خير لهم في هذه الدنيا , يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية , والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية . إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم , فتقوم أنظمتهم الاجتماعية - من ثم - على غير أساس , عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل , وعلى تفسير كامل للوجود , ولغاية الوجود الإنساني , ومقام الإنسان في هذا الكون . . وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير .

ثم هو بيان كذلك لحالهم , لا يبخس الصالحين منهم حقهم:

(منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) . .

وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم . منهم عبد الله بن سلام , وأسد بن عبيد , وثعلبة بن شعبة , وكعب بن مالك . . وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال - وفي آية تالية بالتفصيل - أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله , حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين:أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده , وأن ينصره . وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل , واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله , أرادها للناس أجمعين .في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 62)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت