(فهجرته إلى ما هاجر إليه) عبر بـ (إلى) هنا وبـ (اللام) ثَمَّ؛ ليفيد أن من كانت هجرته لأجل تحصيل ذلك. . كان هو نهاية هجرته، لا يحصل له غيره، وإنما اتحد الشرط والجزاء لفظًا ثَمَّ [1] -تبركًا بذكر اللَّه ورسوله، وتعظيمًا لهما بتكراره، ولكونه أبلغ في الهجرة إليهما؛ إذ من يسعى لخدمة ملكٍ تعظيمًا له أَجْزلُ عطاءً ممَّن يسعى لينال كسرةً من مأدبته- لا هنا [2] ؛ إظهارًا لعدم الاحتفال بأمرهما، وتنبيهًا على أن العدول عن ذكرهما أبلغ في الزجر عن قصدهما، فكأنه قال: إلى ما هاجر إليه، وهو حقيرٌ مهينٌ لا يجدي.
ولأن ذكرهما يستحلى عند العامة، فلو كرر. . ربما عَلِقَ بقلب بعضهم، فيهش له ويرضى به، ويظنه العيش الكامل، فضرب عنهما صفحًا؛ لإزالة هذا المحذور، وذَمُّ قاصد إحداهما [3] -وإن قصد مباحا- لأنه خرج لطلب فضيلة الهجرة ظاهرًا، وأبطن خلافه؛ فلذلك توجَّه عليه الذم، وأيضًا: أغراض الدنيا لا تنحصر [4] ، فأتى بما يشملها، وهو ما هاجر إليه، بخلاف الهجرة إلى اللَّه ورسوله؛ فإنه لا تعدُّدَ فيها، فأُعيدا بلفظهما تنبيهًا على ذلك.
العمل إما رياء محض [5] ؛ بأن يراد به غرضٌ دنيويٌّ فقط ولو مباحًا، فهو حرامٌ لا ثواب فيه، وإما مشوب برياءٍ ولا ثواب فيه أيضًا، للخبر الصحيح:"من عمل عملًا أشرك فيه غيري. . فانا منه بريءٌ، هو للذي أشرك" [6] وحَمْلُ الغزاليِّ الإشراكَ
(1) أي: في قوله:"فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله. . .".
(2) أي: في قوله:"ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها. . .".
(3) كلامٌ إضافيٌّ مبتدأ، خبره قوله: (لأنه خرج ... إلخ) اهـ"مدابغي"
(4) قوله: (وأيضًا) عطف على قوله: (إظهارًا لعدم الاحتفال. . . إلخ) اهـ"مدابغي"
(5) أي: العمل غير الخالص للَّه تعالى. (محمد طاهر) اهـ هامش (غ)
(6) أخرجه ابن ماجه (4202) ، والإمام أحمد (2/ 435) ، والطبراني في"الأوسط" (6525) عن سيدنا أبي هريرة رضي اللَّه عنه.