فهرس الكتاب

الصفحة 1166 من 1706

من لم يدخل في حيز الارتضاء ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم علمًا يقينًا أن لا خالق إلا الله ولا مبدع سواه

فإن قلت قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض فكيف يمكن فهم ذلك وهل يمكن إيصال ذلك إلى الإفهام بمثال فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه فقالوا لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه فطلبوه فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجليه ووقع يد بعضهم على نابه ووقع يد بعضهم على أذنه فقالوا قد عرفنا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم فقال الذي لمس الرجل إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها وقال الذي لمس الناب ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه وأملس لا خشونة فيه وليس في غلظ الأسطوانة أصلًا بل هو مثل عمود وقال الذي لمس الأذن لعمري هو لين وفيه خشونة فصدق أحدهما فيه ولكن قال ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل فاستبصر بهذا المثال واعتبر به فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه وإن كان هذا كلامًا يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها وليس ذلك من غرضنا فلنرجع إلى ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة العلم والندم والترك وأن الندم داخل في الوجوب لكونه واقعًا في جملة أفعال الله المحصورة بين علم العبد وإرادته وقدرته المتخللة بينها وما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله

أما وجوبها على الفور فلا يُسْتَرَابُ فِيهِ إِذْ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْمَعَاصِي مُهْلِكَاتٍ مِنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ المتقصي عن وجوبه هو الذي عرفه معرفة زجره ذلك عن الفعل المكروه فإن هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات التى لا تتعلق بعمل بل هي من علوم المعاملة وكل علم يراد ليكون باعثًا على عمل فلا يقع التقصي عن عهدته ما لم يصر باعثًا عليه فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثًا لتركها فَمَنْ لَمْ يَتْرُكْهَا فَهُوَ فَاقِدٌ لِهَذَا الْجُزْءِ من الإيمان وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ [1] وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله فإن ذلك لا ينفيه الزنا والمعاصي وإنما أراد به نفي الإيمان لِكَوْنِ الزِّنَا مُبْعِدًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُوجِبًا للمقت كما إذا قال الطبيب هذا سم فلا تتناوله فإذا تناوله يقال تناول وهو غير مؤمن لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبًا وغير مصدق به بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلًا فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان وليس الإيمان بابًا واحدًا بل هو نيف وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ومثاله قول القائل ليس الإنسان موجودًا واحدًا بل هو نيف وسبعون موجودًا أعلاها القلب والروح وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأضافر نقى البشرة عن

(1) حديث لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ متفق عليه من حديث أبي هريرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت