فهرس الكتاب

الصفحة 1365 من 1706

بيان آدَابُ الْفَقِيرِ فِي فَقْرِهِ

اعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ آدَابًا فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ وَمُخَالَطَتِهِ وَأَفْعَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَهَا

فَأَمَّا أَدَبُ بَاطِنِهِ فَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ لِمَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْفَقْرِ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَارِهًا فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ فعله وإن كان كارهًا للفقر كالمحجوم يكون كارها للحجامة لتألمه بها ولا يكون كارهًا فعل الحجام ولا كارهًا للحجام بل ربما يتقلد منه منة فهذا أقل درجاته وهو واجب ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا وأرفع من هذا أن لا يكون كارهًا للفقر بل يكون راضيًا به وأرفع منه أن يكون طالبًا له وفرحًا به لعلمه بغوائل الغنى ويكون متوكلًا في باطنه على الله تعالى واثقًا به في قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ويكون كارهًا للزيادة على الكفاف وقد قال علي كرم الله وجهه إن لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر من علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله ويشكر الله تعالى على فقره ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ويعصي ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء وهذا يدل أن كل فقير فليس بمحمود بل المحمود الذي لا يتسخط ويرضى أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه بثمرته إذ قيل ما أعطى عبد شيئًا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث شغل وهم وطول حساب

وَأَمَّا أَدَبُ ظَاهِرِهِ فَأَنْ يُظْهِرَ التَّعَفُّفَ وَالتَّجَمُّلَ وَلَا يُظْهِرَ الشَّكْوَى وَالْفَقْرَ بَلْ يَسْتُرَ فَقْرَهُ ويستر أنه يستره فَفِي الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ وَقَالَ تَعَالَى يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغنياء من التعفف وقال سفيان أفضل الأعمال التجمل عند المحنة وقال بعضهم ستر الفقر من كنوز البر

وأما في الأعمال فَأَدَبُهُ أَنْ لَا يَتَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ بل يتكبر عليه قَالَ علي كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ رَغْبَةً فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ ثِقَةً بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهَذِهِ رُتْبَةٌ وَأَقَلُّ مِنْهَا أَنْ لَا يُخَالِطَ الْأَغْنِيَاءَ وَلَا يَرْغَبَ في مجالستهم لأن ذلك من مبادىء الطمع

قال الثوري رحمه الله إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه مراء وإذا خالط السلطان فاعلم أنه لص

وقال بعض العارفين إذا خالط الفقير الأغنياء انحلت عروته فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته فإذا سكن إليهم ضل

وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْكُتَ عَنْ ذِكْرِ الْحَقِّ مدامنة لِلْأَغْنِيَاءِ وَطَمَعًا فِي الْعَطَاءِ

وَأَمَّا أَدَبُهُ فِي أفعاله لَا يَفْتُرَ بِسَبَبِ الْفَقْرِ عَنْ عِبَادَةٍ وَلَا يَمْنَعَ بَذْلَ قَلِيلِ مَا يَفْضُلُ عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جُهْدُ الْمُقِلِّ وَفَضْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَمْوَالٍ كثيرة تبذل عن ظهر غني روى زيد بن أسلم قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درهم من الصدقة أفضل عند الله من مائة ألف درهم قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف درهم فتصدق بها وأخرج رجل درهمًا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب المائة ألف [1] وينبغي أن لا يدخر مالًا بل يأخذ قدر الحاجة ويخرج الباقي وفي الادخار ثلاث درجات إحداها أن لا يدخر إلا ليومه وليلته وهي درجة الصديقين والثانية أن يدخر لأربعين يومًا فإن ما زاد عليه داخل في طول الأمل وقد فهم العلماء ذلك من ميعاد الله تعالى لموسى عليه السلام

(1) حديث زيد بن أسلم درهم من الصدقة أفضل عند الله من مائة ألف قيل وكيف يا رسول الله قال أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف الحديث أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة متصلا وقد تقدم في الزكاة ولا أصل له من رواية زيد بن أسلم مرسلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت