فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 1706

وهو الكتاب السابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط وكاشف الضر بعد القنوت الذي خلق الخلق ووسع الرزق وأفاض على العالمين أصناف الأموال وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال ورددهم فيها بين العسر واليسر والغنى والفقر والطمع واليأس والثروة والإفلاس والعجز والاستطاعة والحرص والقناعة والبخل والجود والفرح بالموجود والأسف على المفقود والإيثار والإنفاق والتوسع والإملاق والتبذير والتقتير والرضا بالقليل واستحقار الكثير كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملًا وينظر أيهم آثر الدنيا على الآخرة بدلًا وابتغى عن الآخرة عدولًا وحولًا واتخذ الدنيا ذخيرة وخولا والصلاة على محمد الذي نسخ بملته مللًا وطوى بشريعته أديانًا ونحلًا وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبيل ربهم ذللًا وسلم تسليمًا كثيرًا

أما بعد فإن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الأرجاء والأكناف ولكن الأموال أعظم فتنها وأطم محنها وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها ثم إذا وجدت فلا سلامة منها فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرًا وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا وبالجملة فهي لا تخلو من الفوائد والآفات وفوائدها من المنجيات وآفاتها من المهلكات وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في الدين من العلماء الراسخين دون المسترسمين المغترين وشرح ذلك مهم على الانفراد فإن ما ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ذَمِّ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ نَظَرًا فِي الْمَالِ خَاصَّةً بَلْ فِي الدُّنْيَا عامة إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل والمال بعض أجزاء الدنيا والجاه بعضها واتباع شهوة البطن والفرج بعضها وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها والكبر وطلب العلو بعضها ولها أبعاض كثيرة ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل ونظرنا الآن في هذا الكتاب في المال وحده إِذْ فِيهِ آفَاتٌ وَغَوَائِلُ وَلِلْإِنْسَانِ مِنْ فَقْدِهِ صِفَةُ الْفَقْرِ وَمِنْ وُجُودِهِ وَصْفُ الْغِنَى وَهُمَا حَالَتَانِ يَحْصُلُ بِهِمَا الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ ثُمَّ لِلْفَاقِدِ حَالَتَانِ الْقَنَاعَةُ وَالْحِرْصُ وَإِحْدَاهُمَا مَذْمُومَةٌ وَالْأُخْرَى مَحْمُودَةٌ وَلِلْحَرِيصِ حَالَتَانِ طَمَعٌ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَتَشَمُّرٌ لِلْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ مَعَ الْيَأْسِ عَنِ الْخَلْقِ والطمع شر الحالتين وللواجد حَالَتَانِ إِمْسَاكٌ بِحُكْمِ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَإِنْفَاقٌ وَإِحْدَاهُمَا مَذْمُومَةٌ وَالْأُخْرَى مَحْمُودَةٌ وَلِلْمُنْفِقِ حَالَتَانِ تَبْذِيرٌ وَاقْتِصَادٌ وَالْمَحْمُودُ هُوَ الِاقْتِصَادُ وَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَشَابِهَةٌ وَكَشْفُ الغطاء عن الغموض فيها مهم ونحن نشرح ذلك في أربعة عشر فصلًا إن شاء الله تعالى وهو بيان ذم المال ثم مدحه ثم تفصيل فوائد المال وآفاته ثم ذم الحرص والطمع ثم علاج الحرص والطمع ثم فضيلة السخاء ثم حكايات الأسخياء ثم ذم البخل ثم حكايات البخلاء ثم الإيثار وفضله ثم حد السخاء والبخل ثم علاج البخل ثم مجموع الوظائف في المال ثم ذم الغنى ومدح الفقر إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت