فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 1706

ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره وهذا فرض عين على العلماء كافة وعلى السلاطين كافة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيهًا متدينًا يعلم الناس دينهم فإن الخلق لا يولدون إلا جهالًا فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع والدنيا دار المرضى إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان والعلماء أطباء والسلاطين قوام دار المرضى فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس

وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل إحداها أن المريض به لا يدري أنه مريض

والثانية أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم بخلاف مرض البدن فإن عاقبته موت مشاهد تنفر الطباع منه وما بعد الموت غير مشاهد وعاقبة الذنوب موت القلب وهو غير مشاهد في هذا العالم فقلت النفرة عن الذنوب وإن علمها مرتكبها فلذلك تراه يتكل على فضل الله في مرض القلب ويجتهد في علاج مرض البدن من غير اتكال

والثالثة وهو الداء العضال فقد الطبيب فإن الأطباء هم العلماء وقد مرضوا في هذه الأعصار مرضًا شديدًا عجزوا عن علاجه وصارت لهم سلوة في عموم المرض حتى لا يظهر نقصانهم فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضًا لأن الداء المهلك هو حب الدنيا وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافًا من أن يقال لهم فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عم على الخلق الداء وعظم الوباء وانقطع الدواء وهلك الخلق لفقد الأطباء بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا وإذا لم يصلحوا لم يفسدوا وليتهم سكتوا وما نطقوا فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم في مواعظهم إلا ما يرغب العوام ويستميل قلوبهم ولا يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء وتغليب أسباب الرجاء وذكر دلائل الرحمة لأن ذلك ألذ في الأسماع وأخف على الطباع فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصي ومزيد ثقة بفضل الله ومهما كان الطبيب جاهلًا أو خائبًا أهلك بالدواء حيث يضعه في غير موضعه فالرجاء والخوف دواءان ولكن لشخصين متضادي العلة أما الذي غلب عليه الخوف حتى هجر الدنيا بالكلية وكلف نفسه ما لا تطيق وضيق العيش على نفسه بالكلية فتكسر سورة إسرافه في الخوف بذكر أسباب الرجاء ليعود إلى الاعتدال وكذلك المصر على الذنوب المشتهى للتوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظامًا لذنوبه التي سبقت يعالج أيضًا بأسباب الرجاء حتى يطمع في قبول التوبة فيتوب فأما معالجة المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرجاء فيضاهي معالجة المحرور بالعسل طلبًا للشفاء وذلك من دأب الجهال والأغبياء فإذن فساد الأطباء هي المعضلة الزباء التي لا تقبل الدواء أصلًا

فإن قلت فاذكر الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في طريق الوعظ مع الخلق فاعلم أن ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه نعم نشير إلى الْأَنْوَاعُ النَّافِعَةُ فِي حَلِّ عُقْدَةِ الْإِصْرَارِ وَحَمْلِ الناس على ترك الذنوب وهي أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ

{الْأَوَّلُ} أَنْ يَذْكُرَ مَا فِي القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين وكذلك ما ورد من الأخبار والآثار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت