فهرس الكتاب

الصفحة 1512 من 1706

فلنفرض محبوبًا من الخلق قال بين يدي محبيه

إني أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني وأنصب فيه معيارا صادقا وميزانا ناطقًا وهو أني أقصد إلى فلان فأوذيه وأضربه ضربًا يضطره ذلك إلى الشتم لي

حتى إذا شتمني أبغضته واتخذته عدوًا لي فكل من أحبه أعلم أيضًا أنه عدوي وكل من أبغضه أعلم أنه صديقي ومحبي

ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض وحصل البغض الذي هو سبب العداوة

فحق على كل من هو صادق في محبته وعالم بشروط المحبة أن يقول أما تدبيرك في إيذاء هذا الشخص وضربه وإبعاده وتعريضك إياه للبغض والعداوة فأنا محب له وراض به فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك وإرادتك وأما شتمه إياك فإنه عدوان من جهته إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم ولكنه كان مرادك منه فإنك قصدت بضربه استنطاقه بالشتم الموجب للمقت فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك وتدبيرك الذي دبرته فأنا راض به ولو لم يحصل لكان ذلك نقصانًا في تدبيرك وتعويقًا في مرادك وأنا كاره لفوات مرادك ولكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص وكسب له وعدوان وتهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك إذ كان ذلك يقتضي أن يحتمل منك الضرب ولا يقابل بالشتم فأنا كاره له من حيث نسبته إليه ومن حيث هو وصف له لا من حيث هو مرادك ومقتضى تدبيرك وأما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به ومحب له لأنه مرادك وأنا على موافقتك أيضًا مبغض له لأن شرط المحب أن يكون لحبيب المحبوب حبيبًا ولعدوه عدوًا

وأما بغضه لك فإني أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك وسلطت عليه دواعي البغض ولكني أبغضه من حيث إنه وصف ذلك المبغض وكسبه وفعله وأمقته لذلك فهو ممقوت عندي لمقته إياك وبغضه ومقته لك أيضًا عندي مكروه من حيث أنه وصفه وكل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضي

وإنما التناقض أن يقول هو من حيث إنه مرادك مرضي ومن حيث إنه مرادك مكروه وأما إذا كان مكروهًا لا من حيث إنه فعله ومراده بل من حيث إنه وصف غيره وكسبه فهذا لا تناقض فيه ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ونظائر ذلك لا تحصى

فإذن تسليط الله دواعي الشهوة والمعصية عليه حتى يجره ذلك إلى حب المعصية ويجره الحب إلى فعل المعصية يضاهي ضرب المحبوب للشخص الذي ضربناه مثلًا ليجره الضرب إلى الغضب والغضب إلى الشتم

ومقت الله تعالى لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالى ذلك بكل عبد من عبيده أعني تسليط دواعي المعصية عليه يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته

فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ويعادي من أبعده الله عن حضرته وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة وإن كان بعيدًا بإبعاده قهرًا ومطرودًا بطرده واضطراره

والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتًا بغيضًا إلى جميع المحبين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده

بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز وجل

وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصه في إفشائه وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضي به

قمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل وكذا من قال إنهما جميعًا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضًا مقصر

وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت والتأدب بأدب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت