فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 1706

وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت من ضعفاء مذنبين نستوفي أرزاقنا وننتظر آجالنا

وكان أبو الدرداء إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت بخير إن نجوت من النار

وكان سفيان الثوري إذا قيل له كيف أصبحت يقول أصبحت أشكر ذا الى ذا وأذم ذا الى ذا وأفر من ذا الى ذا وقيل لأويس القرني كيف أصبحت قال كيف يصبح رجل إذا أمسى لا يدري أنه يصبح وإذا أصبح لا يدري أنه يمسي وقيل لمالك بن دينار كيف أصبحت قال أصبحت في عمر ينقص وذنوب تزيد

وقيل لبعض الحكماء كيف أصبحت قال أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي لربي

وقيل لحكيم كيف أصبحت قال أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوه إبليس

وقيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة

وقيل لحامد اللفاف كيف أصبحت قال أصبحت أشتهي عافية يوم الى الليل فقيل له ألست في عافية في كل الأيام فقال

العافية يوم لا أعصى الله تعالى فيه

وقيل لرجل وهو يجود بنفسه ما حالك فقال وما حال من يريد سفرًا بعيدًا بلا زاد ويدخل قبرًا موحشًا بلا مؤنس وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة

وقيل لحسان ابن أبي سنان ما حالك قال ما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب

وقال ابن سيرين لرجل كيف حالك فقال وما حال من عليه خمسمائة درهم دينًا وهو معيل فدخل ابن سيرين منزله فأخرج له ألف درهم فدفعها إليه وقال خمسمائة اقض بها دينك وخمسمائة عد بها على نفسك وعيالك ولم يكن عنده غيرها ثم قال والله لا أسأل أحدًا عن حاله أبدًا

وإنما فعل ذلك لأنه خشي أن يكون سؤاله من غير اهتمام بأمره فيكون بذلك مرائيًا منافقًا

فقد كان سؤالهم عن أمور الدين وأحوال القلب في معاملة الله وإن سألوا عن أمور الدنيا فعن اهتمام وعزم على القيام بما يظهر لهم من الحاجة

وقال بعضهم إني لأعرف أقوامًا كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ما يملكه لم يمنعه وأرى الآن أقواما يتلاقون ويتساءلون حتى عن الدجاجة في البيت

ولو انبسط أحدهم لحبة من مال صاحبه لمنعه فهل هذا إلا مجرد الرياء والنفاق وآية ذلك أنك ترى هذا يقول كيف أنت ويقول الآخر كيف أنت فالسائل لا ينتظر الجواب والمسئول يشتغل بالسؤال ولا يجيب وذلك لمعرفتهم بأن ذلك عن رياء وتكلف

ولعل القلوب لا تخلو عن ضغائن وأحقاد والألسنة تنطق بالسؤال

قال الحسن إنما كانوا يقولون السلام عليكم إذا سلمت والله القلوب وأما الآن فكيف أصبحت عافاك الله كيف أنت أصلحك الله فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة لا كرامة فإن شاءوا غضبوا علينا وإن شاءوا لا

وإنما قال ذلك لأن البداية بقولك كيف أصبحت بدعة

وقال رجل لأبي بكر بن عياش كيف أصبحت فما أجابه

وقال دعونا من هذه البدعة

وقال إنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من الموت الذريع كان الرجل يلقاه أخوه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون ويلقاه عشية فيقول كيف أمسيت والمقصود أن الالتقاء في غالب العادات ليس يخلو عن أنواع من التصنع والرياء والنفاق وكل ذلك مذموم بعضه محظور وبعضه مكروه

وفي العزلة الخلاص من ذلك فإن من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم مقتوه واستثقلوه واغتابوه وتشمروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الإنتقام منهم

وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من أخلاق الناس وأعمالهم فهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين فلا يجالس الإنسان فاسقا مدة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد واستثقاله إذ يصير للفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت