فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 1706

معه وبينه وبين المحتسب نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له خل عنها أو لأرمينك

إن لم تخل عنها فله أن يرمى وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه ويراعي فيه التدريج

وكذلك يسل سيفه ويقول اترك هذا المنكر أو لأضربنك

فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن

ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالآدميين

وقالت المعتزلة ما لا يتعلق بالآدميين فلا حسبة فيه إلا بالكلام أو بالضرب ولكن للإمام لا للآحاد

الدرجة الثامنة أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح

وربما يستمد الفاسق أيضًا بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا

فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام

فقال قائلون لا يستقل آحاد الرعية بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد

وقال آخرون لا يحتاج إلى الإذن وهو الأقيس لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث

وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب

والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف

ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه

ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعًا لأهل الكفر

فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله والمسلم إن قتل فهو شهيد

فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله

والمحتسب المحق إن قتل مظلومًا فهو شهيد

وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة

فلا يغير به قانون القياس

بل يقال كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه

فالمسألة إذن محتملة كما ذكرناه فهذه درجات الحسبة فلنذكر آدابها والله الموفق

باب آداب المحتسب قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات ونذكر

الآن جملها ومصادرها فنقول جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب العلم والورع وحسن الخلق

أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيه

والورع ليردعه عن مخالفة معلومة فما كل من علم عمل بعلمه

بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة وزائد على الحد المأذون فيه شرعًا ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض

وليكن كلامه ووعظه مقبولًا فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب وَيُورِثُ ذَلِكَ جَرَاءَةً عَلَيْهِ

وَأَمَّا حُسْنُ الْخُلُقِ فَلْيَتَمَكَّنْ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ وَالرِّفْقِ وَهُوَ أَصْلُ الباب وأسبابه

وَالْعِلْمُ وَالْوَرَعُ لَا يَكْفِيَانِ فِيهِ

فَإِنَّ الْغَضَبَ إِذَا هَاجَ لَمْ يَكْفِ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ فِي قَمْعِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الطَّبْعِ قبوله بحسن الخلق

وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة والغضب

وبه يصبر المحتسب على ما أصابه في دين الله

وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة وغفل عن دين الله واشتغل بنفسه

بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم

فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تَنْدَفِعُ الْمُنْكَرَاتُ

وَإِنْ فُقِدَتْ لَمْ يَنْدَفِعِ الْمُنْكَرُ

بل ربما كانت الحسبة أيضًا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها ودل على هذه الآداب قوله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت