فهرس الكتاب

الصفحة 902 من 1706

إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم

بيان حد النميمة وما يجب في ردها

اعلم أن اسم النميمة إنما يطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا وليست النميمة مختصة به بل حدها كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ كَرِهَهُ ثَالِثٌ وسواء كان الكشف بالقول أبو بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنَ الْأَعْمَالِ أَوْ مِنَ الْأَقْوَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا وَنَقْصًا فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَلْ حَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ بَلْ كان ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ إِلَّا مَا فِي حِكَايَتِهِ فَائِدَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعٌ لِمَعْصِيَةٍ كَمَا إِذَا رَأَى مَنْ يَتَنَاوَلُ مَالَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر فإن كان ما ينم به نقصًا وعيبًا في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة فالباعث عَلَى النَّمِيمَةِ إِمَّا إِرَادَةُ السُّوءِ لِلْمَحْكِيِّ عَنْهُ أَوْ إِظْهَارُ الْحُبِّ لِلْمَحْكِيِّ لَهُ أَوِ التَّفَرُّجُ بِالْحَدِيثِ وَالْخَوْضُ فِي الْفُضُولِ وَالْبَاطِلِ

وَكُلُّ مَنْ حملت إليه النميمة وقيل له إن فلانًا قال فيك كذا وكذا أو فعل في حقك كذا أو هو يدبر في إفساد أمرك أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجري مجراه فعليه ستة أمور الأول أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قومًا بجهالة}

الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر}

الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغضه الله تعالى

الرابع أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثم}

الخامس أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعًا لقول الله تعالى {ولا تجسسوا}

السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمته فتقول فلان قد حكى لي كذا وكذا فتكون به نمامًا ومغتابًا وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا فقال له عمر إن شئت نظر نافي أمرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية {هماز مشاء بنميم} وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا وذكر أن حكيمًا من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه فقال له الحكيم قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات بغضت أخي إلي وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة وروي أن سليمان بن عبد الملك كان جالسًا وعنده الزهري فجاءه رجل فقال له سليمان بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت فقال سليمان إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري لا يكون النمام صادقًا فقال سليمان صدقت ثم قال للرجل اذهب بسلام

وَقَالَ الحسن مَنْ نَمَّ إِلَيْكَ نَمَّ عَلَيْكَ وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّمَّامَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْغَضَ وَلَا يُوثَقَ بِقَوْلِهِ وَلَا بِصَدَاقَتِهِ وَكَيْفَ لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة وهو ممن يسعون فِي قَطْعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرض بغير الحق} وَالنَّمَّامُ مِنْهُمْ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت